فرحات الطاشكندي
تُثار مسألة الهوية في العمارة العربية المعاصرة وكأنها أزمة حقيقية تستدعي البحث عن بديل. لكن التدقيق يكشف أن كثيرًا مما سُمّي “أزمة هوية” ليس سوى إشكالية لغوية وفكرية نتجت عن سوء ترجمة المصطلحات الغربية، وإسقاطها على واقع عربي–إسلامي لم يفقد هويته في الأصل.
أولًا: العمارة السلمانية والهوية المرنة
العمارة السلمانية أثبتت أن الهوية ليست مفقودة، بل متجددة بطبيعتها.
تقوم على الجمع بين:
الأصالة (Asalah): استيعاب قيم المجتمع الدينية والإنسانية.
الحداثة: الاستفادة من المواد والتقنيات الجديدة.
وهكذا فإن الهوية السلمانية متجذرة في القيم، لكنها منفتحة على التغير في الشكل والوظيفة.
ثانيًا: المصطلحات الغربية وأزمة الترجمة
الغرب عندما كتب عن عمارتنا كان يميز بوضوح بين مصطلحين:
Authenticity =
الصدق في التعبير عن الجوهر والقيم (الأصالة القيمية).
Originality =
الجِدّة والابتكار والقدرة على إنتاج الجديد (الأصالة الإبداعية).
لكن عند الترجمة إلى العربية، جرى الخلط بينهما وجُمِعا في كلمة واحدة: الأصالة.
فـ”Authenticity” تُرجمت إلى الأصالة بمعنى الالتزام بالتراث.
و”Originality” تُرجمت أيضًا إلى الأصالة بمعنى الإبداع والتفرد.
هذا الخلط أضاع الفروق الدقيقة بين المفهومين و المصطلحين .
ثالثًا: أثر الخلط على الفكر المعماري العربي
عندما وصف الغربيون عمارتنا بأنها Authentic (أصيلة بمعنى صادقة لقيمها)، فهمناها “أصالة شكلية” تعني التكرار والجمود.
وعندما تحدثوا عن Originality (الجِدّة والإبداع)، ترجمناها أيضًا “أصالة”، فاعتقد البعض أنها تتناقض مع الحفاظ على التراث.
النتيجة:
اتجاه يرفض التجديد بحجة “الحفاظ على الأصالة”. واتجاه آخر يرفض التراث كله بحجة “تحقيق الأصالة بالابتكار”. وبين الاثنين ضاع المفهوم الحقيقي للهوية.
الخلاصة
في الغرب: أزمة الهوية كانت واقعية بعد سقوط الكنيسة.
في العالم العربي: الهوية لم تُفقد، لكننا وقعنا في اغلوطة لغوية نتيجة سوء الترجمة.
فالهوية الحقيقية لا تُختزل في الشكل، بل تكمن في القيم والمبادئ.
ومن هنا نرى ان العمارة السلمانية برهنت أن الهوية تُصان بالمرونة والوعي، لا بالتكرار الشكلي ولا بالقطيعة مع التراث.
اترك تعليقاً