فرحات الطاشكندي
أستاذ الإسكان المشارك ومخطط عمراني
1. الأصل الفرنسي:
Béton Brut تعني ‘الخرسانة الخام’، وقد استخدمها لو كوربوزييه للدلالة على الصدق المادي وإبراز قوالب الصب كعنصر جمالي.
2. الترجمة الإنجليزية:
في الفرنسية، ‘Brut’ تعني خام أو غير مشذب، لكنها اختلطت في الإنجليزية بـ ‘Brutal’ التي تعني عنيف أو متوحش. ومن هنا نشأ الخلط عند نقل المصطلح.
3. صناعة المصطلح:
أُضيفت اللاحقة -ism لتوليد مصطلح فلسفي: Brutalism = مذهب الخرسانة الصريحة أو الجمالية الخام.
4. لماذا تُرجِمت إلى ‘العمارة المتوحشة’؟
الترجمة كانت استعجالية، وارتبطت في البيئة العربية بمبانٍ اقتصاديه دون اضافه اللياسه او تلبيس المبنى بالوان او زخارف، ما عزز الصورة السلبية.
5. مفارقة التلقي:
بينما كانت الخرسانة في الغرب رمزًا للحداثة والعدالة، أصبحت في بيئة الأكاديميات المعماريه العربيه رمزًا للتشويه البصري وغياب السياق المحلي.
6. مقترحات بديلة:
لإعادة الاعتبار للمصطلح، يمكن استخدام تسميات مثل: العمارة الصادقة، العمارة الجذرية، العمارة الخام، العمارة البنيوية.
7. سؤال مفتوح:
هل يمكن ترسيس الخرسانة جماليًا في العالم العربي؟ أم ستظل مشوهة حتى نؤثّلها ونؤصّلها في وعينا المعماري؟
8. الترجمة كأداة تشويه مقصودة:
لم تكن الترجمة إلى ‘العمارة المتوحشة’ مجرد خطأ لغوي بريء، بل يمكن اعتبارها ضمن مسار أيديولوجي لتشويه عمارة الخرسانة عمدًا، ساهم فيه أنصار ‘التراث المقدّس’ الذين ينزعجون من أي توجه يهدد الرمزية التاريخية أو الشكلية للماضي. لقد تم استبعاد المباني الخرسانية عمومًا، والبروتالية خصوصًا، من قوائم المباني التراثية لعقود، بذريعة أنها لا تمتلك القيم الجمالية أو الرمزية التقليدية. مثال صارخ على هذا التحيز هو موقف منظمة ‘الآيكومُس’ (ICOMOS)، التي حاربت لأكثر من خمسين عامًا إدراج مبنى ‘فيلا سافوي’ (Villa Savoye) للمعماري لو كوربوزييه في قوائم المباني التراثية، رغم أهميته التأسيسية في العمارة الحديثة. وهذا الموقف يكشف عن رفض مؤسساتي وثقافي للخرسانة، ليس فقط كمادة، بل كفلسفة عمرانية ترى في الحداثة امتدادًا واعيًا للتاريخ وليس قطيعة معه.
9. تصحيح الترجمة واستعادة جوهر المفهوم:
من المهم تصحيح الخطأ المفاهيمي الذي نشأ من الترجمة غير الدقيقة من الفرنسية إلى الإنجليزية ثم إلى العربية، حيث أن المصطلح الفرنسي ‘Béton Brut’ لا يعني ‘الخرسانة المتوحشة’ بل ‘الخرسانة الخام’ أو ‘الأسمنت الخام’ الذي يُستخدم كما هو دون تغطية أو تجميل. هذا المفهوم كان يُعبّر عن صدق مادي وجمالي، لا عن توحش بصري. لذلك، من الضروري إعادة الاعتبار للمصطلح من خلال استخدام تسميات بديلة تُعبّر عن جوهر الفكرة، مثل: ‘العمارة الصادقة’ لأنها لا تخفي مادتها، وهو ما كان يُفعل في عمارة الطين صريحة في اظهار ماده الطين بصدق في الواجهات ، أو ‘العمارة الجذرية’ التي تنبع من فكرة فلسفية واضحة، أو ‘العمارة الخام’ التي تحتفي بالمادة كما هي، أو ‘العمارة البنيوية’ التي تكشف عن بنية المبنى بصدق ووضوح.
10. العمارة السلمانية: تصحيح المفهوم ودفع المصطلح نحو المستقبل
إن رؤية العمارة السلمانية، بما تحمله من توجه إنساني ومعرفي وتاريخي، تُعد مثالًا على كيف يمكن تصحيح المسار المفاهيمي والمصطلحي في تلقي العمارة الحديثة. فالعمارة السلمانية لا تُقصي الحداثة، لكنها تُعيد تأصيلها وتأثيلها ضمن سياق محلي وإنساني متجذر. ومن هنا، يمكن القول إن ترجمة ‘Brutalism’ إلى ‘العمارة المتوحشة’ تشكل عائقًا ثقافيًا ونفسيًا أمام استيعاب هذا النمط المعماري كجزء من مشروع حداثي عربي، مثل مشروع العمارة السلمانية. ففي حين أن ‘الخرسانة الخام’ تُعبّر عن صدق في المادة والوظيفة، فإن وصمها بـ’الوحشية’ يُشوّه دلالتها ويجعلها في تضاد مع الرؤية التي تتبناها العمارة السلمانية، والتي تقوم على تكامل الأصالة مع المعاصرة، وتؤمن بأن الجمال يمكن أن يتجلّى في البساطة والصراحة الإنشائية. ومن ثم، فإن تعديل المصطلح ليصبح أقرب إلى ‘العمارة الصادقة’ أو ‘العمارة البنيوية’ يفتح المجال أمام دمج هذه القيم ضمن مسارات التطوير العمراني، ويجعل الخرسانة أداة تعبير نبيلة لا مادة مشوّهة، خاصة حين تُوظّف لخدمة الإنسان والهوية، كما هو الحال في رؤية العمارة السلمانية.
اترك تعليقاً