التعليم المعماري مابين المعرفه و الموهبة لفهم ابعاد العمارة السلمانيه

فرحات الطاشكندي

 

التعليم المعماري يهدف إلى تطوير المعرفة والمهارات اللازمة لممارسة مهنة العمارة، وليس مجرد نقل المعرفة أو تنمية الموهبة الفطرية. إنه يجمع بين الجانبين، حيث يزود الطلاب بالمعرفة النظرية والتقنية اللازمة، وفي نفس الوقت ينمي لديهم القدرات الإبداعية والمهارات العملية التي تمكنهم من تصميم وتنفيذ مشاريع معمارية ناجحة تحت مظلة العمارة السلمانية .

تنقسم طبيعة العلوم من حيث هي إلى قسمين رئيسيين: علوم
مكتسبة (كسبية) وعلوم موهوبة (وهبية). فالعلوم المكتسبة هي تلك التي يتم اكتسابها من خلال التعلم والبحث والتجربة، بينما العلوم الموهوبة هي تلك التي تُمنح للإنسان من الله دون اكتسابها بالوسائل العادية.

ففي العلوم المعماريه يحتاج الطالب بشكل أساسي إلى العلوم الكسبيه وهي العلوم النظريه الذي يحتاجها في تحصيله إلى كسب ونظر وتشغيل فكر، كالعلم بدراسة مبادئ التصميم، وأنواع الفراغات، وتوزيعها، والعلاقة بينها واستخدام المواد المناسبة الخ، و ينقسم هذا العلم الكسبي إلى حالين:
1- اما علم ضروري او
2- علم حصولي
فالعلم الضروري وهي كما ذكرنا سابقا هي علوم الدراسه النظريه التطبيقيه اما العلوم الحصوليه هي العلوم المنطقيه و هي التي لا يحتاج في حصوله إلى كسبٍ وتشغيلِ فكرٍ وانما تعلم بالضرورة و هي تلك العناصر الأساسية التي تعتبر بديهية وضرورية لإنشاء أي مسكن، مثل وجود باب، نوافذ ضرورية لدخول الضوء والهواء، وتأمين الخصوصية والحماية والحاجة الى مطبخ و هذه العناصر ليست بحاجة إلى تعلم متخصص بل هي جزء من الفطرة الإنسانية في توفير مأوى آمن ومريح و هذه العناصر هي أساسيات لا غنى عنها في أي تصميم معماري، وتعتبر جزءًا من المعرفة الفطرية للإنسان حول توفير مأوى ملائم.
.
أما العلم الوهبي وهو القسم الثاني من العلوم وهو ما يمنحه الله الى الموهبين من المعماريين وما يلهمهم من أفكار الهاميه لعمل ابداعات معماريه.
والفرق بينهما بَيّن:
فالكسبي هو نتيجة البحث والنظر ومجهوده عظيم و كبير لما في طلبه من مشقةٍ
والوهبي هو فضل من الله وقد لا يأخد جهدا ووقتا من المعماري الموهوب في انشاء الفكري المعماريه الإبداعية.

هذا من حيث العلوم اما من حيث متلقي العلوم في كليات العماره وهم الطلاب فتلعب القابلية دور كبير في اكتساب العلوم فالطلاب لهم قدرات متفاوته ومتميزه فهناك من عنده قابليه و هناك من يفتقدها و لكن بدرجات ونِسَب مختلفة بحسب طبيعة كل نوع من العلم.

فالقابلية ضرورية لكل من يريد العلم الكسبي بحالتيه الحصولي و الحضوري ومن ليس عنده هذا القابليه فهو تضييع لوقت الطالب في غير فائده له ومضيعة لوقت استاذه .

أولًا: القابلية في العلم الحصولي ( والذي هو من العلم الكسبي)
و هو العلم الذي يُكتسب بالجهد البشري عبر الحواس، العقل، والنقل (مثل نظريات العماره و مواد وتقنيات البناء والاعمال الانشائييه والصحيه و الكهربائيه الخ) فدور القابلية هنا يكمن:
– في الذكاء العقلي اي قدرة الطالب على الفهم والتحليل.
– في قوة الحفظ والتركيز و خاصة في العلوم النقلية و التي هي فئة من المعارف التي تعتمد على العقل والتفكير المنطقي في دراسة الظواهر المختلفة و تشمل هذه العلوم فروعًا مثل المنطق، الرياضيات، الفلسفة، وعلم الفلك، وغيرها.
والأمثلة على العلوم العقلية كثيرة وعلى رأسها علم المنطق حيث يدرس مبادئ الاستدلال الصحيح ويهدف إلى تطوير القدرة على التفكير المنظم والتحليل النقدي.
– وفي الصبر على التعلم: لأن العلم الحصولي يحتاج إلى وقت وتراكم.
– وفي قبول التوجيه من الاستاذ بحيث لا يجادل بغير علم حتى يستفيد مما عند استاذه من المعارف والعلوم .

مثال على القابليه : لو حاولتَ تعليمَ الرياضيات لشخص لا يملك قابليةً للتفكير المجرد، فلن يستوعبها حتى لو بذلتَ جهدًا كبيرًا.

ثانيًا: القابلية في العلم الحضوري (الوهبي)
و هو العلم الذي يحضره الله في القلب بدون وساطة كسبية وهو يحصل للموهبين والمبدعين من المعماريين فمن ليس عنده موهبة لا تنفع معه القابلية واعني بها أن القدرة على التعلم واكتساب المهارات لا تكفي وحدها لتحقيق النجاح أو الخروج بفكر ابداعيه فإذا لم يكن لدى المعماري موهبة فطرية أو استعداد طبيعي بمعنى آخر ان الموهبة هي الأساس الذي تبنى عليها القدرة على التصميم والابداع وإذا لم تكن الموهبة موجودة، فإن القدرة على التعلم قد لا تكون كافية لتحقيق نتائج ملموسة والحصول على أعمال ابداعيه .
فالموهبة اذا هي القدرة الفطرية أو الاستعداد الطبيعي لدى المعماري في مجال العمارة والعمران وتكون هذه الموهبة خاصة في مجال التصميم ولذلك تجد المصممين الموهوبين قله قليله في الممارسة المهنيه و من ليس عنده هذه القابله لا يمكن تداركها لاحقا.
فباختصار فإن العبارة السابقة تشير إلى أن الموهبة هي عامل مهم في تحقيق النجاح وأن القدرة على التعلم وحدها قد لا تكون كافية إذا لم يكن هناك استعداد فطري أو موهبة.

أما في الدراسات العليا القائمه على البحث والتجربة ففي غالب الأمر أن العلوم التي يحتاجها الطالب المعماري هي من جنس العلوم الكسبيه بشقيه الحصولي و الضروري.

اما في مجال الدراسات النقدية فيحتاج الطالب الى التمكن من المنطق وكثير من العلوم الفلسفيه ليحسن مدارك النقد المتنوعة.
ففي مجال النقد المعماري ، يحتاج الطالب إلى تكوين معرفي متعدد الأبعاد، حيث يتقاطع المنطق والفلسفة مع العلوم التقنية والجمالية لتشكيل رؤية نقدية متكاملة. ويحتاج إلى العديد من المتطلبات وحاجته للمنطق كحاجة السمكة إلى الماء
فلماذا يحتاج الناقد المعماري إلى المنطق؟
يقول الجرجاني ان المنطق اله تمنع الفهم من الوقوع في الخطأ فإذا هو من أهم الضروريات للنقد المعماري وهي ضروريه لتحليل البنية الشكلية لتفكيك العناصر المعمارية (كالفراغ، الشكل، الوظيفة) بمنهجية تحليلية و نقد تناسب الكتلة والفراغ باستخدام قواعد الهندسة النسبية و بناء الحجج النقدية عن طريق تقديم ادعاءات مدعمة بأدلة و تفنيد المغالطات و كشف التناقضات في الخطاب المعماري (مثل ادعاء “العمارة المستدامة” في مشاريع تستهلك موارد مفرطة).

و هناك مقولة منسوبة لأفلاطون كتبها على اكاديميته “من لم يكن منطقيا فلا يدخل علينا” بمعنى أنه لا يُسمح بدخول من لا يتمتع بالمنطق السليم أو القدرة على التفكير المنطقي.

كذلك لابد ان يكون له دور في تطبيق العلوم الفلسفية في النقد المعماري :
أ) فلسفة الجمال (الأستطيقا)
ب) فلسفة التكنولوجيا
ج) الظاهراتية (فينومينولوجيا)
د) الحداثه و ما بعد الحداثة و التفكيكية

و ينبغي له أن يطور مهارات مثل :
– المنطق:
– دراسة المنطق الصوري والمنطق الجدلي.
– تطبيقه على تحليل المشاريع
– الفلسفة:
– قراءة عن الجمال والزخرفة.
– حضور محاضرات في فلسفة العمارة.
– النقد التطبيقي:
– كتابة تقارير نقدية باستخدام منهجيات مثل السيميائية .

ومن ثم التغلب على التحديات التي تواجه الطالب مثل :
– الازدواجية بين النظرية والتطبيق:
– التحيزات الثقافية
– التقنية مقابل الإنسانية

فالناقد المعماري الناجح هو من يدمج:
صرامة المنطق (لتجنب الانطباعية).
عمق الفلسفة (لفهم السياقات الثقافية).
مرونة التذوق الجمالي (لتقييم التجارب الحسية).

كما قال بيتر آيزنمان:
“العمارة ليست مجرد بناء، بل هي خطاب فلسفي مجسد”.

فإتقان النقد المعماري يتطلب عقلًا تحليليًّا وروحًا تساؤلية، مع قدرة على رؤية ما وراء الشكل المادي إلى طبقات المعنى المخفية.

 

 

 

 

تاريخ الاضافة : Sat 6 Sep 2025 عدد المشاهدات : 525 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب