العمارة السلمانية الحديثة: إشكالية المنهج وليس الاستيراد كحل جذري للمعضلة الحقيقية

فرحات الطاشكندي

 

يسود خطاب نقدي سطحي يلوم “العمارة المستوردة” و”الحداثة الغربية” على تردي الشكل العمراني، داعيًا إلى العودة إلى أشكال العمارة التقليدية باعتبارها الحل الوحيد للحفاظ على الهوية. هذا الطرح يتجاهل المشكلة الحقيقية ويضع اللوم في المكان الخطأ.

المشكلة الحقيقية: أزمة التصميم والممارسة المهنية، وليس “الاستيراد”

1. المواد “المستوردة” هي في الحقيقة مواد محلية:
وفي ظني ان اللوم على تخلي المعماري عن “المواد المحلية” (بمعناها الضيق: الطين، الحجر) هو لوم غير دقيق. فالحديد، الأسمنت، الزجاج، والألمنيوم الذي يُبني به اليوم هو منتج سعودي، في مصانع سعودية، بأياد سعودية. فهوية المادة لم تعد جغرافية المصدر بل جغرافية التصنيع والاستخدام وسهولة التوصيل فبعد توحيد المملكة وجعلها دولة موحده في الانتماء والاعتقاد ، فأصبحت المشكلة اذا ليست في “استيراد” المواد، بل في سوء استخدامها.
2. الجذر الذي يحتاج إلى تقويه: ضعف المنهج التعليمي وسوء الممارسة المهنية: المشكلة الأساسية تكمن في:
· مناهج تعليمية لا تخرج معماريًا ملمًا بفلسفة العمارة المحلية وقيمها الجوهرية (كالتكافؤ، الخصوصية، التعامل مع المناخ)، وتقتصر على تدريسها كـ”أشكال” تاريخية يجب تقليدها.
· ممارسة مهنية مُترهلة “فسحت المجال لكل من هب ودب” ليس من المعماريين فحسب بل دخول كثير من المهندسين والفنيين مجال التصميم المعماري دون أن يحصلوا على العلوم المكتسبه أو وجود علوم وهبيه لديهم ، حيث سيطر على المهنة غير المتخصصون والمقاولون على عملية التصميم، فصار الشكل نتاجًا عشوائيًا لرغبات مبتذلة وليس لرؤية تصميمية مدروسة.
· غياب الرقابة الجمالية والفنية بوجود مرجعيه رقابيه و محاسبيه في كثير من الأحيان، “وترك الحبل مفلوتا على الغارب” كما هو واقع والذي ارى في زواله بوجود هيئة فنون العمارة والتصميم و استحداث جمعية العمران المهنيه من قبل وزارة الثقافيه قبل عامين.

ماذا كانت النتيجة: لم تكن المباني القبيحة “مستوردة” بمعنى نقل نمط غربي متكامل، بل كانت تقليدًا رخيصًا وسطحيًا لأردأ نماذج العمارة الغربية، منفذة بمواد محلية ولكن بذوق ومعرفة متدنية. اللوم يجب أن يوجه نحو ضعف المصمم والمنهج وغياب المراقب والمحاسبه و الغياب الكبير للنقد المعماري البناء، وليس تجاه مواد البناء آلتي تطور محليا منذ تنفيذ الخطط الخمسيه مع إطلاق الخطة الأولى في عام 1970م (الموافق 1390هـ) كجزء من عصر التنمية المدروسة لتحقيق نهضة شاملة في البلاد.
كذلك ندرة اللقاءات والندوات للرفع من الذائقه المعماريه للمتخصصين والعامه على السواء هو جزء لا يستهان به من المشكله إذ ذائقة المحتمع تلعب دورا كبيرا في إعطاء المعماريين فضاءا واسعا للابداع.

اذا “العمارة السلمانية”: هو ردٌ على تلك الإشكالية ووضعها في المسار الصحيح

فلقد ظهرت الاساليب السلمانيه ليس كرفض للحداثة أو للتراث، بل كردّ على هذه الفوضى التصميمية، مقدّمًا حلًا بتأسيس هيئة عمرانيه يهتم بالعمارة وتأسيس جمعيه معماريه تهتم بالمهنة لترفع من مستوى المهنيين و الممارسه وتتدخل في تطوير المناهج الاكاديميه لصالح ممارسة المهنة وسوف تحقق :

1. استعادة دور المعماري المحترف: يؤكد على أن الحل يجب أن يقوده معماريون ملمون بثقافة المكان ومتطلبات العصر، يعيدون صياغة القيم التراثية (الروح، الفكرة، القيمة) وليس الأشكال، باستخدام الأدوات والمواد العصرية المحلية.
2. تجاوز جدال “التقليدي ضد الحديث”: يرفض السلماني هذه الثنائية العقيمة. هوية المبنى لا تُستمد من شكله التاريخي، بل من كيفية تعبيره عن روح المجتمع وقيمه باستخدام لغته العصرية. هوية المادة لم تعد “طينية” أو “حجرية” بل “صناعة سعودية”.
3. خلق هوية بصرية معاصرة ومتماسكة: يسعى إلى تأسيس إطار جمالي وفكري للمدن السعودية المعاصرة، يعبر عن ثقة المجتمع وهويته الديناميكية المتطورة، بدلاً من الفوضى البصرية الناتجة عن الغياب الفكري والرقابي.

خاتمة: المشكلة ليست في عمارة الحداثة ولا في المواد المصنعة محليًا. المشكلة في المنهج.
العمارة السلمانية، في جوهرها، هي محاولة لتصحيح هذا المنهج؛ للانتقال من النقاش السطحي حول “الشكل والمادة” إلى النقاش الجوهري حول “الجودة التصميمية، والهوية الفكرية، والممارسة المهنية الرصينة” التي تنتج عمارةً تستحق مكانتها في الحضارة السعودية المعاصرة.

 

 

 

تاريخ الاضافة : Mon 15 Sep 2025 عدد المشاهدات : 550 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب