العمارة السلمانيه بين الجورجيه و الفكتوريه والستالينيه

فرحات الطاشكندي

 

تتباين العمارة الجورجية والفكتورية والستالينية والسلمانية من حيث الفكر والفلسفة الكامنة خلفها، بما يعكس اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي نشأت فيها. فالعمارة الجورجية تجسد العقلانية الكلاسيكية التي جعلت التناظر والتوازن قيمة أساسية في تشكيل الواجهات والفراغات، معبرةً عن رغبة المجتمع البريطاني في القرن الثامن عشر في النظام والرصانة والاستقرار الاجتماعي. أما العمارة الفكتورية فقد ارتبطت بالثورة الصناعية والتحولات الإمبراطورية، فانبنت على الانتقائية بين الانماط المختلفة كالقوطيه و الايطاليه ، مع الإفراط في الزخرفة كأداة لإبراز القوة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية، فكانت فلسفتها قائمة على التنوع والتعبير عن الحراك الاجتماعي. في المقابل، جاءت العمارة الستالينية في الاتحاد السوفيتي أداة سياسية بامتياز، حيث تجسّد فلسفة “الاشتراكية الواقعية” في ضخامتها وتزخيمها الكلاسيكي، لتكون رمزًا لهيبة الدولة وقوة النظام، على حساب حضور الفرد وخصوصيته. وفي سياق مغاير، برزت العمارة السلمانية في المملكة العربية السعودية لتعيد الاعتبار للإنسان باعتباره محور العمران، فارتكزت على مبدأ “أنسنة المدن” والتوازن بين الأصالة والمعاصرة، من خلال استخدام المواد المحلية الحديثة، وتبني مفاهيم الاستدامة وجودة الحياة، وربط الهوية الوطنية بمسار التنمية ورؤية 2030.

وعند النظر في هذه التجارب، يتضح أن كل اسلوب معماري وقع في مأزق فلسفي خاص به: فالجورجية انغلقت على النمطية الكلاسيكية ففقدت القدرة على التجديد، والفكتورية غرقت في زخرفة شكلية أعاقت بساطة الوظيفة، والستالينية ضحت بالإنسان لحساب الدولة والسلطة. بينما العمارة السلمانية قدّمت مسارًا أكثر توازنًا وإنسانية، إذ تجاوزت هذه المآزق مجتمعة، فحافظت على القيم المحلية دون انغلاق، واحتضنت الحداثة دون إسراف زخرفي، وجعلت الإنسان لا الدولة محور التخطيط، لتشكل بذلك نموذجًا معاصرًا يعيد تعريف العلاقة بين الهوية والحداثة في السياق العمراني السعودي.

 

 

 

 

 

 

تاريخ الاضافة : Fri 26 Sep 2025 عدد المشاهدات : 585 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب