القطيعة مع التراث بين العرب والغرب: أزمة هوية وحل العمارة السلمانية

فرحات الطاشكندي

 

إن الدعوات التي رفعها بعض المفكرين العرب في القرن العشرين إلى القطيعة مع التراث أفرزت نتائج عكسية، خصوصًا إذا ما قورنت بتجربة الغرب. فبينما رفع العرب شعار “التحرر من الماضي”، عاد الغرب – بعد أن تجاوز صراعه الطويل مع الكنيسة – إلى تقديس تراثه المادي والمعماري، وجعله مستودعًا للقيم وروحًا جامعة للهوية.

لقد أدرك الغربيون أن المباني التراثية ليست حجارة صامتة، بل هي وثائق حيّة مشبعة بالمعاني الإنسانية والاجتماعية، وأن الحفاظ عليها ليس مجرد فعل متحفي بل جزء من منظومة الاستدامة والذاكرة الجمعية. من هنا نشأت في الغرب تيارات ومؤسسات، من جون رسكن (ينبغي أن تتعاطف المباني مع بيئتها المباشرة وعليها استخدام المواد المحلية) إلى كاميلو سيتي (لا تُبنى الساحات منفردة، بل تتواجد في علاقات جماعية مع ساحات أخرى داخل المدينة) وصولًا إلى اليونسكو ودوكومومو( التراث المعماري للحركة الحديثة) ، كلها تعاملت مع التراث المعماري بوصفه مصدر إلهام للحداثة العمرانية لا قيدًا عليها.

لكن المفارقة أن الغرب لم يعد إلى تراثه إلا بعد أن فقد هويته الجامعة بسقوط الكنيسة وضياع مرجعيته الروحية. ومنذ ذلك الحين بدأ يسترجع هويته المفقودة عبر تقديس المباني التراثية والتمسك بالماضي المادي. أما المسلمون، فقد ظلوا يستمدون هويتهم من الوحيين (القرآن والسنة)، فلم يفقدوا مرجعيتهم، ولم يضطروا إلى تعويض غيابها بعبادة الحجر أو تقديس المباني.

وهنا تبرز إشكالية أخرى، أشار إليها الإمام الغزالي في وصفه لـ “ورع الموسوسة”: ذلك الورع الشكلي الذي يحوّل الوسيلة إلى غاية، فيغدو الدين عبئًا معقدًا بدل أن يكون روحًا محققة للمقاصد. وهذا بالضبط ما نراه عند بعض مقدسي التراث المعماري، الذين يتعاملون مع المباني القديمة كأصنام جامدة، فيرفضون أي محاولة للتجديد أو إدخال عناصر الحداثة، ولو كانت تحقق الراحة والاستدامة وتلبي حاجات المجتمع. وهكذا يقع العالم العربي بين طرفي نقيض: إفراط في القطيعة، أو إفراط في التقديس.

وفي مواجهة هذا الانقسام، برزت العمارة السلمانية كحل وسط متوازن. فهي لا تسقط التراث من حسابها بل تنهل من قيمه وروحه، لكنها في الوقت ذاته لا تجمّده أو تحوله إلى عائق، بل تدمجه في مشروع حداثي متجدد يربط بين الأصالة والمعاصرة. إنها رؤية تجعل من التراث مصدر إلهام، ومن الحداثة وسيلة تطوير، لتبني هوية عمرانية أصيلة ومبتكرة في آن واحد.

 

 

تاريخ الاضافة : Fri 26 Sep 2025 عدد المشاهدات : 658 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب