فرحات الطاشكندي
قراءة نقدية في طرح الدكتور جميل أكبر في كتابه عمارة الارض عن الأوقاف ودورها في تدهور البيئة العمرانيه
1. الأوقاف وعمارة الحرمين الشريفين
على مدى القرون، استمرت الأوقاف من مختلف مدن العالم الإسلامي في تمويل عمارة الحرمين الشريفين وصيانتهما وتشغيلهما.
لو كان الوقف كما صوره د جميل مؤسسة فاسدة ذات حوكمة عاجزة أو مشتتة المسؤوليات، لما أمكن له أن يستمر قرونًا في تمويل أهم رمز ديني وحضاري للأمة الإسلامية.
هذه الحقيقة التاريخية وحدها تكفي لدحض أطروحة أن “الأوقاف سبب تدمير البيئة العمرانية”.
2. الأوقاف في التنمية المعاصرة: شواهد حية
أ. جامعة الملك سعود
الجامعة أوقفت مشاريع كبرى لضمان استدامة التمويل الذاتي، بما يجعلها نموذجًا معاصرًا لدور الوقف في دعم التعليم والبحث العلمي.
هذا يثبت أن الأوقاف ما زالت إلى اليوم أداة استراتيجية لتقوية المؤسسات العامة.
ب. أوقاف الراجحي
بدأت عام 1415هـ بأوقاف خاصة بخدمة القرآن الكريم، ثم توسعت لتشمل: المساجد، الفقراء، المحتاجين.
تأسست مؤسسة أوقاف محمد بن عبدالعزيز الراجحي الخيرية عام 1994م لتنظيم هذه الأوقاف.
اعتمدت على قطاعات متنوعة: الزراعي، العقاري، الفندقي، الاستثماري، الخيري.
عام 2008م أُنشئ وقف شامل لخدمة الإسلام والمسلمين داخل المملكة وخارجها، بنظام تقسيم العائدات:
75% للعمل الخيري.
25% لتنمية الأصول (استثمارية).
عام 1432هـ أُطلق مشروع استشاري شامل لوضع حوكمة متقدمة تحدد النظام الأساسي، الهيكل التنظيمي، وصلاحيات الوحدات وآليات العمل.
هذا النموذج يُظهر أن الحوكمة الحديثة عززت استدامة الأوقاف ولم تُدمّرها.
3. تغافل د جميل عن الإيجابيات
تجاهل د جميل كل هذه الشواهد التاريخية والمعاصرة، وركّز فقط على حالات فردية فيها تقصير أو تزوير أو فساد، وهي حالات لا يخلو منها أي عمل مؤسسي في العالم.
“بدل أن يُبرز دور الحوكمة في استمرار الأوقاف، عمّم الأخطاء الفردية على النظام بأكمله” .
والأسوأ أنه استشهد بحديث ضعيف وأقوال فقهية استثنائية، وأغفل الأحاديث الصحيحة والأقوال المعتبرة التي تمدح الوقف وتُشيد بدوره في بناء المجتمع.
4. المقصد الضمني في خطابه
كان هدفه غير المصرح به هو إدخال الوقف في دائرة “المسؤولية المشتتة” و”الإذعان الحيازي”، ليؤكد أن الأوقاف معيقة للتنمية.
لكنه تجاهل أن التاريخ والواقع يثبتان العكس: الوقف كان وما يزال مؤسسة إذعان متحد، توحّد المجتمع، وتؤمّن التمويل المستدام، وتُحقق التنمية العمرانية والاجتماعية.
كخلاصه لهذه القراءة ابين ان الوقف أثبت عبر التاريخ الطويل للحرمين، وعبر النماذج المعاصرة مثل أوقاف جامعة الملك سعود وأوقاف الراجحي، أنه مؤسسة تنموية فاعلة.
الحديث عن فساد أو سوء إدارة بعض النظار لا يُبرر شيطنة النظام بكامله.
إيراد الأحاديث الضعيفة وتجاهل الأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء المعتبرين، يكشف أن أطروحة جميل أكبر لم تكن بحثًا موضوعيًا متوازنًا، بل محاولة لتثبيت فرضية مسبقة: أن الأوقاف سبب “تدهور العمران”، بينما هي في الحقيقة أحد أعمدته الكبرى.
اترك تعليقاً