بين التحديث المستورد والهوية الإسلامية: نحو حداثة عربية أصيلة

فرحات الطاشكندي

أستاذ الإسكان المشارك ومخطط عمراني

 

تجادل هذه المقالة بأن فشل كثير من مشاريع “الحداثة” عربيًا لا يعود لعدم المرور بالمراحل الأوروبية (الإقطاع → القومية → الرأسمالية → الحداثة)، بل لاعتماد تحديث مستورد بلا جذور.
والبديل هو حداثة عربية أصيلة تستند إلى الهوية الإسلامية وتستوعب أدوات العصر، وتظهر عمليًا في نماذج كـ العمارة السلمانية.

طرحت تيارات فكرية عربية أن دخول الحداثة يقتضي إعادة إنتاج المسار الأوروبي التاريخي. هذا الطرح يتجاهل اختلاف البنية الحضارية العربية–الإسلامية، ومركزية الدين فيها، وعدم تماثل الشروط التاريخية مع أوروبا.

2) إشكالية “الاستنساخ”

تاريخ مختلف: لا مقابل دقيق للإقطاع الأوروبي أو صراع الكنيسة/الدولة في التاريخ الإسلامي.

نتيجة خاطئة: استيراد قوالب جاهزة أنتج حداثة مغتربة تفصل المجتمع عن جذوره القيمية.

سؤال مفقود: كيف نكون معاصرين من داخل هويتنا لا ضدّها؟

3) الهوية الإسلامية كرافعة لا عائق

الهوية الإسلامية إطار جامع للمعنى والشرعية الاجتماعية.

تاريخيًا أتاحت مرونة مؤسسية (كالوقف، والسوق، ونُظم الجوار) يمكن تحديثها بدل هدمها.

المطلوب: تطوير الهوية لا تجميدها، وتحديث الأدوات لا استيراد المعاني.

4) نحو حداثة عربية أصيلة (منهج التأثيل–التأصيل–الترسيس)

التأثيل: تفكيك التراث لتمييز الجوهري (القرب، المشي، المجال المشترك) عن الظرفي (تعرّج الأزقة العفوي).

التأصيل: إعادة إحياء القيم الجوهرية بصيغ معاصرة (أرصفة إنسانية، استعمال مختلط، مبدأ 15 دقيقة).

الترسيس: تحويل القيم إلى أنظمة ومعايير قابلة للتنفيذ والقياس (سياسات حضرية، مؤشرات جودة حياة).

5) العمارة السلمانية كحالة اختبار

رؤية قيمية: الإنسان أولًا، جودة الحياة، المجال العام، الانسجام مع المناخ.

أدوات حديثة: بنية تحتية، نقل عام، تنسيق مؤسسي، معايير تصميم.

نتيجة: هوية عمرانية متجددة تجمع الأصالة بالابتكار، لا قطعًا مع الماضي ولا اجترارًا له.

6) توصيات عملية

1. صياغة مواثيق تصميم تحوّل القيم إلى مؤشرات قياس (Walkability, Access, Shade, Safety).

2. تحديث المؤسسات الوقفية/المحلية كرافعة مجتمعية–اقتصادية.

3. تعليم معماري يقدّم الهوية كمنظومة قيم ووظائف لا كزخرفة شكلية.

4. ربط مشاريع التجميل الحضري بأهداف قابلة للقياس (زمن الوصول، معدلات المشي، أمان العبور).

اذا ليست المشكلة في عدم تكرار مسار أوروبا، بل في عدم امتلاك تصوّرنا الأصيل للحداثة. والعمارة السلمانية تُظهر أن الجمع ممكن: قيم إسلامية راسخة + أدوات معاصرة فعّالة = حداثة عربية ذات جذور.

فبعض المفكرين العرب في القرن العشرين، مثل سلامة موسى، طه حسين في بعض مراحله، وحسين مروة وغيرهم، تبنّوا فكرة أن العرب لا يمكن أن يدخلوا الحداثة إلا إذا أعادوا المرور بنفس المراحل التاريخية التي خاضتها أوروبا: من الإقطاع → القومية → الرأسمالية → العلمانية → الحداثة.
هذا المنطق في الحقيقة مبني على المنهج الماركسي/المادي الجدلي الذي يرى التاريخ مسارًا خطيًا وحتميًا.

لكن الإشكالية التي الفت إليها :

إن هؤلاء تجاهلوا أن العرب ليست عندهم قطيعة مع الدين كما حدث في أوروبا مع الكنيسة.

وان الإسلام لم يكن عائقًا للعلم أو التحديث كما حصل في أوروبا مع الكنيسه، بل كان إطارًا مرنًا يتسع للتجديد.

لذلك فإن العرب لم يكونوا مضطرين إلى المرور بنفس المخاض الأوروبي الدموي (حروب دينية، قطيعة مع الكنيسة، ثورات اجتماعية) كي يصلوا إلى التحديث.

جوهر النقد هنا أن الهوية الإسلامية بقيت حيّة، ومتجذرة في وجدان الناس، بينما مشاريع “التحديث المستورد” افترضت أن نجاح الحداثة لا يتم إلا بنفيها. وهذا ما جعل كثيرًا من مشاريع “التغريب” فاشلة، لأنها لم تُجب عن سؤال: كيف نكون معاصرين دون أن نفقد جذورنا؟

ولهذا جاءت العمارة السلمانية لتقدّم حلًّا نقديًا: كيف نكون حداثيين مع الاحتفاظ بالقيم العمرانية الإسلامية؟ فهي لم تلغِ التراث، ولم تُقدِّسه أيضًا، بل تعاملت معه كقيمة حيّة قابلة للتطوير.

 

 

تاريخ الاضافة : Sat 6 Sep 2025 عدد المشاهدات : 586 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب