عندما تحولت البرحة من نهاية الطريق إلى قلب الحي
فرحات الطاشكندي
من إبداعات أستاذنا علي الشعيبي في تخطيط مدينة الرياض مخطط الحمراء، الذي قدم فيه تصورًا تخطيطيًا جديدًا خرج عن بعض المألوف في تخطيط الأحياء السكنية آنذاك، وحاول أن يعيد التفكير في العلاقة بين شبكة الطرق والفراغ العمراني والحياة الاجتماعية للسكان.

ومن أبرز ما ميّز هذا التصور إدخال فكرة البرحات باعتبارها بديلًا عن نمط الشوارع غير النافذة، أو ما يعرف في التخطيط الحديث بـ Cul-de-sac.
فالـ Cul-de-sac أو الطريق غير النافذ هو طريق سكني له مدخل واحد، وينتهي عادةً بساحة أو مساحة تسمح للسيارات بالالتفاف، ويُستخدم في التخطيط السكني للحد من حركة المرور العابرة ورفع مستوى الأمان والهدوء داخل الحي، ولا سيما للأطفال والسكان.
لكن ما فعله الشعيبي كان أكثر من مجرد نقل مفهوم الطريق غير النافذ إلى البيئة المحلية؛ فقد حاول أن يجعل البرحة نفسها عنصرًا عمرانيًا واجتماعيًا، لا مجرد نهاية هندسية للطريق.
فالبرحة في البيئة العمرانية المحلية ليست مجرد مساحة فارغة، وإنما يمكن أن تكون فراغًا شبه خاص تتجمع حوله مجموعة من البيوت، ويصبح امتدادًا طبيعيًا للحياة الاجتماعية للسكان.
ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة الحمراء باعتبارها محاولة مبكرة لإعادة صياغة مفهوم الـ Cul-de-sac بما يتلاءم مع البيئة الاجتماعية والعمرانية المحلية، بدل استنساخه كما هو من النماذج الغربية.
مقاومة الفكرة الجديدة
ولم تمر هذه الفكرة دون اعتراض.
فقد واجه المخطط مقاومة من بعض مهندسي أمانة مدينة الرياض، وكانت هناك محاولات لربط الشوارع غير النافذة بعضها ببعض، وكذلك فتح البرحات على بعضها وتحويلها إلى مسارات نافذة.
ولا أعرف السبب الذي استند إليه هذا التوجه تحديدًا، ولا أريد أن أجزم به من دون وثائق توثق مداولات الاعتماد.
وربما كان جزء من الإشكال أن الفكرة كانت جديدة وغير مألوفة، ولا تشبه النمط التخطيطي السائد والمتعارف عليه في ذلك الوقت.
وهذه مسألة تتكرر كثيرًا في تاريخ التخطيط؛ فالفكرة الجديدة لا تُرفض دائمًا لأنها خاطئة، وإنما قد تُقابل بالتحفظ لأنها لا تنتمي إلى القوالب التي اعتاد عليها المخططون و”الجهات التنظيمية”.
وهنا تكمن قيمة تجربة الحمراء؛ فهي تذكرنا بأن المخطط لا ينبغي أن يكون مجرد تطبيق للقواعد المعروفة، بل قد يكون مجالًا لاختبار أفكار جديدة تنطلق من الإنسان والمكان والمجتمع.
من الطريق إلى الإنسان
ومن العناصر اللافتة في مخطط الحمراء أيضًا وجود شارع للمشاة، في محاولة لتفعيل الحركة الإنسانية داخل الحي، وإعطاء المشاة مكانًا حقيقيًا في بنية المخطط، بدل أن تكون المدينة مصممة أساسًا للسيارة.
كما تضمن التصور حديقة تصل السكان بالمنطقة التجارية، بما يجعل الحركة اليومية بين السكن والخدمات تجربة عمرانية يمكن أن تتم سيرًا على الأقدام، لا مجرد انتقال بالسيارة من نقطة إلى أخرى.
وهذه الفكرة مهمة؛ لأنها تجعل الحديقة والشارع والممر جزءًا من شبكة اجتماعية وحركية واحدة، وليست مجرد مساحة خضراء تضاف إلى المخطط بعد توزيع قطع الأراضي والطرق.
لكن هذه الفكرة واجهت مقاومة أخرى لاحقًا، بعد انتقال السكان إلى الحي. فقد وجد السكان أن الوصول من منازلهم إلى الحديقة، ومنها إلى مركز الحي، يوفر لهم مسارًا طبيعيًا ومباشرًا للمشاة، فقام بعضهم بفتح أبواب من منازلهم باتجاه الحديقة لاستخدامها للوصول إلى مركز الحي سيرًا على الأقدام.
إلا أن مهندسي الأمانة قاموا لاحقًا بإغلاق هذه الأبواب، دون أن يتضح لنا حتى اليوم السبب الذي استند إليه هذا الإجراء.
والمفارقة أن السكان هم الذين حققوا الفكرة التي قام عليها المخطط، بينما غابت هذه الفكرة عن مهندسي الأمانة عند إغلاق تلك الأبواب؛ فقد أدرك السكان بصورة تلقائية أن الحديقة ليست مجرد مساحة خضراء، وإنما مسار يربط منازلهم بمركز الحي، واستخدموا هذا المسار كما صُمم له أصلًا.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين المخطط كما يُرسم، والمكان كما يعيشه الناس؛ فقد يكشف سلوك السكان أحيانًا عن إمكانات عمرانية لم تكن ظاهرة في التطبيق الإداري للمخطط.
بل إن ما فعله السكان كان، في جوهره، تفعيلًا للفكرة الإنسانية التي قام عليها المخطط:
ربط السكن بالحديقة، وربط الحديقة بمركز الحي، وإيجاد مسار للمشاة يختصر الطريق ويشجع السكان على استخدام الفراغات العمرانية في حياتهم اليومية.
تجربة سبقت المصطلحات
ما يعجبني في هذه التجربة أن بعض الأفكار التي نناقشها اليوم تحت عناوين مثل الأنسنة، والمشاة، والذلولية، وسهولة الوصول، والفراغات شبه الخاصة، والمجتمع السكني، يمكن أن نجد لها جذورًا عملية في تجارب تخطيطية سابقة في الرياض.
فقد لا تكون الفكرة جديدة لأننا أطلقنا عليها اسمًا جديدًا.
أحيانًا تكون الفكرة موجودة في المكان قبل أن تأتي المصطلحات التي تشرحها.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة البرحة في مخطط الحمراء باعتبارها محاولة للجمع بين ميزتين:
حماية الحي من حركة المرور العابرة، وفي الوقت نفسه توفير فراغ اجتماعي للسكان.
وهذا يختلف عن النظر إلى الطريق غير النافذ باعتباره مجرد حل مروري. فالطريق هنا ليس نهاية شبكة، وإنما يمكن أن يكون بداية لفراغ اجتماعي.
الحديقة ليست زينة
وهنا تبرز قيمة أخرى في تجربة الحمراء.
فالحديقة التي تربط السكان بمركز الحي لم تكن مجرد عنصر تجميلي أو مساحة خضراء معزولة عن الحياة اليومية، بل كانت جزءًا من فكرة الحركة داخل الحي.
فالإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يجد حديقة، بل يحتاج إلى أن يستطيع الوصول إليها بسهولة، وأن تكون الحديقة نفسها جزءًا من مساره اليومي.
وعندما يستطيع الطفل أو رب الأسرة أن يخرج من المنزل، ويمر بالفراغ الأخضر، ثم يصل إلى الخدمات والمركز التجاري دون الحاجة إلى ركوب السيارة، فإننا لا نتحدث عن حديقة فحسب، وإنما عن بنية عمرانية تشجع على المشي والتواصل الاجتماعي.
وهذا ما أدركه السكان عندما فتحوا تلك الأبواب.
لقد قرأوا المخطط بطريقة مختلفة:
لم ينظروا إلى الحديقة باعتبارها فراغًا يفصل بينهم وبين المركز، بل باعتبارها طريقًا أخضر يصلهم به.
من مخطط الحمراء إلى مفهوم الأنسنة
ومن اللافت أن الحديقة تحولت لاحقًا إلى حديقة حملت اسم امير الانسنة الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف، تقديرًا لدوره في ترسيخ مفهوم الأنسنة في مدينة الرياض.
وهنا تلتقي تجربتان عبر الزمن:
فكرة تخطيطية مبكرة وضعت الإنسان والمشاة والفراغ الاجتماعي في الاعتبار، ثم تجربة لاحقة جعلت الأنسنة مفهومًا أكثر حضورًا في تخطيط العاصمة وتطويرها.
وهذا لا يعني بالضرورة أن تجربة الحمراء كانت تحمل جميع المفاهيم التي نستخدمها اليوم، ولكنها تكشف أن بعض جذور التفكير الإنساني في تخطيط الرياض كانت موجودة قبل أن تصبح الأنسنة عنوانًا شائعًا في الخطاب العمراني.
اعتماد المخطط
وقد اكتسب مخطط الحمراء أهمية إضافية عندما تم اعتماده من قبل وزير الشؤون البلدية والقروية الدكتور محمد بن عبدالعزيز آل الشيخ، كمخطط منح لأعضاء هيئة التدريس بجامعة الملك سعود.
وبذلك أصبح المخطط جزءًا من مرحلة مهمة في تطور التخطيط السكني في الرياض؛ مرحلة لم يكن الهدف فيها مجرد توزيع الأراضي وإنشاء شبكة طرق، وإنما كانت هناك محاولات لتجريب تصورات مختلفة حول كيف ينبغي أن يعيش الناس داخل الحي.
لكن مخطط الحمراء لم يكن تجربة منفصلة عن السياق التخطيطي الذي كانت تشهده الرياض في تلك المرحلة؛ بل جاء كتطبيق عملي لأحد التوجهات التي كانت وزارة الشؤون البلدية والقروية تسعى إلى نشرها وتجريبها في تخطيط الأحياء السكنية.
فقد طرحت الوزارة نموذجين تخطيطيين بهدف نشر ثقافة تطبيق مفهوم مربعات دوكسيادس، والاستفادة من المبادئ التخطيطية التي قام عليها مخطط دوكسيادس لمدينة الرياض، ولا سيما تنظيم الأحياء ضمن وحدات واضحة، وربط السكن بالخدمات والمرافق، وإيجاد تسلسل مناسب لشبكة الحركة داخل الحي.
وقد تبنى هذه الفكرة آنذاك الدكتور صالح الهذلول، وكيل الوزارة، ودعم تطبيقها من خلال مكتبين:
مكتب البيئة الذي ضم أستاذنا علي الشعيبي و المعماري عبدالرحمن الحصيني، رحمه الله، إلى جانب مكتبنا النعيم للاستشارات العمرانية، الذي كان يضم المعماري محمد هادي البرقاوي وشركاءه.
ومن هنا جاءت قيمة مخطط الحمراء؛ فلم يكن مجرد تكرار لمربعات دوكسيادس بصورة جامدة، وإنما كان محاولة لتحويل الفكرة النظرية إلى تجربة تخطيطية عملية، تتلاءم مع البيئة المحلية واحتياجات السكان وطريقة حياتهم.
ولذلك فإن قيمة مخطط الحمراء لا تكمن فقط في شكله النهائي، وإنما في الفكرة التي كان يمثلها:
أن التخطيط العمراني يمكن أن ينطلق من الخصوصية الاجتماعية للمجتمع، وأن يستفيد من المفاهيم التخطيطية العالمية دون أن يستنسخها بصورة حرفية.
فالبرحة ليست مجرد Cul-de-sac مترجمًا إلى العربية.
والشارع ليس مجرد ممر للسيارة.
والحديقة ليست مجرد مساحة خضراء.
بل يمكن أن تصبح هذه العناصر مجتمعة منظومة عمرانية تصنع علاقة مختلفة بين البيت والفراغ العام والخدمات والمجتمع.
وربما لهذا السبب تحديدًا يستحق أستاذنا علي الشعيبي أن يُذكر في تاريخ تخطيط الرياض باعتباره واحدًا من الذين حاولوا أن يفتحوا بابًا مختلفًا في التفكير التخطيطي.
ففي مخطط الحمراء، تحولت نهاية الطريق إلى بداية للحياة الاجتماعية، وأصبح الفراغ بين البيوت جزءًا من نسيج الحي، وأثبت السكان بأنفسهم أن الإنسان، عندما يجد التصميم الذي يخدم حياته، يستطيع أن يكتشف الفكرة العمرانية ويكملها حتى وإن لم يفهمها من وضعوا القواعد من حوله.
فالسكان حققوا الفكرة التي صُمم المكان من أجلها، بينما غابت الفكرة عن بعض من تولوا تطبيقها.
وهذه، في رأيي، واحدة من أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها من تجربة مخطط الحمراء.
اترك تعليقاً