من العفوية إلى التخطيط (التأثيل بين النمو التدريجي والهوية المعاصرة) و بين القيم العمرانيه والحداثة في العمارة السلمانية

فرحات الطاشكندي

أستاذ الإسكان المشارك ومخطط عمراني

 

تسعى هذه الفقرة لتوضيح أن هوية المدينة العربية لا تتأسس على استنساخ أشكال الماضي العفوية، بل على فهم أسباب ظهورها تاريخيًا (التأثيل)، ثم إبقاء ما له لزوم معاصر (التأصيل)، وترسيخه في سياسات حضرية وتشريعات (الترسيس).

أولًا: لماذا تعرّجت الطرقات تاريخيًا؟
– نمو تدريجي (Incremental) غير منظم، مع إضافات متعاقبة للمباني بلا مخطط شامل.
– غياب التنسيق المؤسسي والبنية التحتية الحديثة (صرف، كهرباء، مواصلات).
– اعتبارات مناخية ووظيفية: البحث عن الظل والتهوية وتقليل الوهج.
– قيود الملكيات الخاصة والتضاريس، وتكيّف النسيج معها بصورة موضعية.

ثانيًا: ما الذي يبقى أساسًا للتأصيل اليوم؟
– قيمة القرب المكاني: المسجد، المدرسة، السوق في نطاق المشي.
– أولوية الإنسان في المجال العام: أرصفة آمنة، مظللة، متصلة.
– الحيّ متعدد الاستعمالات والحياة اليومية المشتركة.
– شبكة محلية تسمح بالوصول إلى الاحتياجات خلال 15 دقيقة.

ثالثًا: ما الذي يُترك لأنه لا لزوم له الآن؟
– تعرّج الأزقة وضيقها بوصفه «شكلًا» لا «قيمة»، إذ انتفت دوافعه التاريخية.
– العشوائية في النمو والغياب المؤسسي للتنسيق والخدمات.
– إعادة إنتاج عناصر ماضوية على نحو تجميلي لا يخدم الوظيفة المعاصرة.

رابعًا: الترسيس العملي (سياسات ومعايير)
– تنظيم الأحياء وفق مبدأ 15 دقيقة واشتراط حد أدنى لمسارات المشاة والدراجات.
– ربط الأحياء بنقل عام فعّال وتكامل الحافلات والمترو مع شبكة المشاة.
– معايير تصميم لشوارع الإنسان: عرض رصيف كافٍ، تظليل وتشجير، تهدئة حركة المركبات.
– تخطيط استباقي (Prospective Planning) يستشرف الاحتياجات المستقبلية بدل المعالجات اللاحقة.
– مؤشرات قياس (KPIs) لجودة الحياة الحضرية: معدلات المشي، أمان العبور، زمن الوصول للخدمات.

– اذا التأثيل يفسّر «الظرف» الذي أنتج الشكل التاريخي (كتعرّج الطرقات).
– و التأصيل يبقي «القيمة» (القرب، المشي، المجال الإنساني) ولا يستنسخ الشكل.
– اما الترسيس فيترجم القيمة إلى أنظمة وتشريعات قابلة للتنفيذ والقياس.
وبهذا تتشكل هوية عربية معاصرة: أصيلة في قيمها، حديثة في أدواتها، ومنضبطة بتخطيط استباقي.

وحيث اننا في سياق العمارة السلمانيه ينبغي التركيز على أن جوهر العمارة السلمانية يتمثل في المحافظة على القيم العمرانية الأصيلة التي صنعت ملامح المدينة العربية التقليدية، حيث كان الإنسان قادرًا على ممارسة حياته اليومية سيرًا على الأقدام في بيئة عمرانية متكاملة. لكنها في الوقت نفسه لا تقف عند حدود الماضي، بل تعمل على إدخال الحداثة لتواكب العصرنة وضروره وصول السياره لجميع عناصر الحي بما فيه السكن و كذلك تخدم البناء الحديث واحتياجاته ومتطلباته التي لم تكن حاضرة في الزمن الماضي.

فالعمارة السلمانية ليست حنينًا للأشكال الموروثة، بل مشروع حضري متوازن يجمع بين إحياء القيم الجوهرية (المشي، القرب المكاني، المجال المشترك) وبين تسخير أدوات الحداثة (البنية التحتية، النقل العام، التخطيط المسبق، التقنيات المعاصرة) لصناعة بيئة عمرانية أصيلة وحديثة في آنٍ واحد.

 

تاريخ الاضافة : Sat 6 Sep 2025 عدد المشاهدات : 585 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب