فرحات الطاشكندي
1. الإصلاحيون الدينيون
مع بدايات الإصلاح البروتستانتي، وجّه مارتن لوثر (1483–1546م) نقدًا مباشرًا للكنيسة الكاثوليكية، معتبرًا أن سوء إدارة الأوقاف الكنسية هو أصل فسادها.
في أطروحاته عام 1517، أشار إلى أن الكنيسة استخدمت أموال الأوقاف لبناء الكاتدرائيات الفخمة بدل خدمة الفقراء.
اعتبر أن غياب الرقابة على النظار (الكهنة) أدى إلى انحراف غاية الوقف عن مقاصده الدينية والاجتماعية.
أما جون كالفن (1509–1564م) فقد أكد أن الكنيسة لم تُحسن حوكمة أوقافها، وصارت أداة سياسية واقتصادية تكدّس الثروة بدل أن تكون وسيلة للمنفعة العامة.
2. فلاسفة التنوير
في القرن 18م، كان نقد الحوكمة الكنسية في صميم هجوم فلاسفة التنوير على الدين:
فولتير (1694–1778م) هاجم الأوقاف الكنسية في كتاباته (Traité sur la tolérance)، معتبرًا أن غياب الشفافية والحوكمة حولها إلى أداة ظلم اقتصادي.
دينيس ديدرو (1713–1784م) في الموسوعة كتب أن الكنيسة تدير ثروات راكدة بطريقة بيروقراطية جامدة، مما جعلها عبئًا على المجتمع.
آدم سميث (1723–1790م) في ثروة الأمم خصّص فصلًا عن الأوقاف الجامعية الكنسية، وبيّن أن غياب المساءلة أدى إلى أن يعيش المدرسون (النظار) برواتب ثابتة دون أداء علمي حقيقي، في صورة واضحة لفساد الحوكمة.
3. الثورة الفرنسية: من النقد إلى التطبيق
مع اندلاع الثورة الفرنسية (1789م)، صودرت ممتلكات الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تمثل نحو ثلث أراضي فرنسا.
المبرر الرئيسي لذلك كان:
1. فشل الحوكمة الكنسية في إدارة الأوقاف بشفافية وعدالة.
2. اعتبار الأوقاف عقبة أمام التنمية الاقتصادية الحديثة.
وهكذا تبلور في الوعي الغربي “أن الأوقاف الكنسية = فساد إداري + عائق للتنمية ، وهو ما مهّد لتفكيكها” .
الخلاصة
الهجوم على الأوقاف الكنسية كان في جوهره نقدًا للحوكمة: غياب الشفافية، فساد النظار، غلبة البيروقراطية.
هذا الخطاب أسّس لاحقًا للرؤية السلبية تجاه الأوقاف عمومًا، وهي الرؤية التي تبناها المستشرقون وأسقطوها على الأوقاف الإسلامية.
بينما يثبت التاريخ الإسلامي أن الأوقاف كانت، على العكس، مؤسسات استدامة وتنمية، قائمة على الإذعان المتحد الذي يخدم المجتمع.
اترك تعليقاً