من نقد الحوكمة الكنسية إلى نقد الأوقاف الإسلامية

فرحات الطاشكندي

1. الجذور في الغرب

الإصلاحيون البروتستانت مثل مارتن لوثر وجون كالفن ركّزوا على فساد إدارة الأوقاف الكنسية وسوء حوكمتها.

فلاسفة التنوير مثل فولتير وديدرو اعتبروا أن الأوقاف الكنسية ثروات راكدة تُدار ببيروقراطية سيئة.

الاقتصاديون مثل آدم سميث كشفوا أن غياب المساءلة في الأوقاف الجامعية جعلها غير فعّالة.

الثورة الفرنسية أنهت الأوقاف الكنسية وصادرت ممتلكاتها، بعد أن رسّخ النقد صورة أنها مؤسسات فاسدة الحوكمة ومعيقة للتنمية.

2. انتقال الفكرة عبر الاستشراق

عندما بدأ المستشرقون في دراسة المجتمعات الإسلامية في القرن 19م، حملوا معهم هذه الصورة المسبقة عن الأوقاف.

أمثلة بارزة:

جوزيف شاخت في An Introduction to Islamic Law اعتبر الوقف مؤسسة جامدة لا تخضع للحوكمة الفاعلة.

نورمان أندرسون وهمفريز أعادا القول إن الأوقاف الإسلامية تعيق تحديث القانون والدولة.

بعض الرحالة مثل إدوارد وليم لين وصفوا الأوقاف في مصر بأنها “مبعثرة” و”تخدم مصالح شخصية”، في إعادة إنتاج لفكرة فساد الحوكمة.

هكذا جرى إسقاط نقد الأوقاف الكنسية على الأوقاف الإسلامية، رغم اختلاف السياق جذريًا.

3. تبنّي الحداثيين العرب

بعض المفكرين العرب أعادوا إنتاج هذا النقد، معتبرين أن الأوقاف سبب من أسباب “تدهور البيئة العمرانية”.

بذلك أصبح الوقف، في الخطاب الحداثي، متهمًا بنفس التهمة التي وجهت سابقًا للوقف الكنسي: سوء الحوكمة والتسبب في الجمود.

اذا يمكن أن تلخيص ما سبق كالتالي :

نقد الحوكمة كان المدخل الأساسي لضرب الأوقاف الكنسية في أوروبا.

هذا النقد انتقل إلى الدراسات الاستشراقية، التي عمّمته على الأوقاف الإسلامية.

ثم تبنّاه بعض الحداثيين العرب، ليصبح الوقف في خطابهم عقبة أمام التنمية، رغم أن التاريخ الإسلامي يثبت عكس ذلك تمامًا، إذ كان الوقف رافعة حضارية وعمرانية.

 

 

المغالطة في تصوير الوقف كمسؤولية مشتّتة

إن الزعم بأن الأوقاف تمثل «مسؤولية مشتّتة» أو «بعثرة في الإدارة» منذ عهد النبي ﷺ إلى اليوم، زعمٌ ينطوي على مغالطةٍ علميةٍ خطيرة. فالحوكمة، شأنها شأن أي مؤسسة مالية أو اقتصادية، قد تتعرّض لسوء إدارةٍ في حالاتٍ جزئية، لكن ذلك لا يبدّل من الطبيعة الشرعية والمؤسسية للوقف ولا يبرّر تعميم الحكم على الأصل.

الخلل الجزئي لا يُعمّم: تحويل وقائع محدودة – لم تُحترم فيها شروط الواقفين – إلى قاعدةٍ عامة هو استقراء فاسد وقياس باطل؛ إذ لا يجوز أن تُجعل الاستثناءات معيارًا لإدانة مؤسسة ممتدة عبر قرون.

نقلٌ غير مُحقّ من دائرة الإذعان: هذا الطرح ينقل الوقف من دائرة الإذعان المتحد (حيث الالتزام موحّدٌ ومُلزِمٌ بشرط الواقف) إلى دائرة الإذعان الحيازي (حيث المسؤولية مبعثرة وغير مُلزِمة)، ليُؤسِّس ذهنيًا لفكرة أن الوقف سببٌ في تدهور البيئة العمرانية وأن «إيقافه» هو النتيجة الحتمية.

الواقع التاريخي ينقض الدعوى: استمرّت الأوقاف قرونًا عمادًا للتمويل الحضري والخدمات العامة (من عمارة الحرمين إلى المدارس والبيمارستانات والأسواق)، وفي العصر الحديث تُبرهن الأوقاف الجامعية وأوقاف القطاع الأهلي على فاعلية الوقف وقدرته على الاستدامة حين تُطبَّق الحوكمة الرشيدة.

الخلاصة: سوء الإدارة – حيثما وقع – يُعالج بتقويم الحوكمة وتعزيز المساءلة، لا بنقض أصل الوقف ولا بنقله من منطق الالتزام الموحد إلى سردية المسؤولية المشتّتة.

 

 

 

 

 

تاريخ الاضافة : Sun 26 Oct 2025 عدد المشاهدات : 464 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب