العربية اولاً ..

د. فيصل بن الفديع الشريف

 

قبل أيام، وافق مجلس الوزراء على السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية ليمثل ذلك خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، لا لأنها تتصل باللغة بوصفها أداة تواصل فحسب، بل لأنها تتصل بالهوية الوطنية، والذاكرة الحضارية، وبناء الإنسان القادر على التفكير والتعبير والإنتاج بلغته الأم بثقة واقتدار. فاللغة ليست وعاءً محايدًا للمعرفة فقط، بل هي الإطار الذي تتشكل داخله المفاهيم، وتُبنى به الرؤى، وتُصاغ من خلاله العلاقة بين الفرد ومجتمعه وتاريخه وثقافته. ومن هنا فإن تعزيز الاستخدام الرسمي للغة العربية يعد تعزيزًا لمكانتها الطبيعية في مؤسسات الدولة، وفي التعليم، وفي المعرفة، وفي الحياة العامة.

إن الاهتمام باللغة العربية في التعليم على وجه الخصوص ليس ترفًا ثقافيًا، ولا عودة إلى الماضي بمعناه الجامد، وإنما هو استثمار في جودة التعلم ذاته. فالطالب حين يتلقى العلم بلغته الأم يكون أقدر على الفهم العميق، والمناقشة، والتحليل، والربط بين المعرفة النظرية وواقعه العملي. كما أن التعليم باللغة العربية يحد من الفجوة التي قد تنشأ أحيانًا بين فهم المحتوى العلمي وبين القدرة على التعبير عنه أو توظيفه. وحين تُقدَّم العلوم والمعارف بلغة الطالب الأولى، فإننا لا نيسر عليه التعلم فقط، بل نمنحه أيضًا فرصة أن يكون منتجًا للمعرفة لا مجرد ناقل لها.

ومع ذلك، فإن الدعوة إلى ترسيخ العربية لا تعني بحال التقليل من أهمية تعلم اللغات الأخرى، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات العالمية. فالعالم اليوم قائم على التفاعل والانفتاح، والاطلاع على التجارب الدولية، ومتابعة ما يستجد في العلوم والبحوث والأسواق. ولذلك فإن الموقف المتوازن هو أن تكون العربية أساسًا راسخًا للتعليم والتفكير والهوية، مع استمرار العناية الجادة بتعلم اللغات الأخرى بوصفها أدوات مهمة للانفتاح والتواصل والتعلم والبحث العلمي. فالمسألة ليست صراعًا بين العربية وغيرها، بل هي ترتيب الأولويات لتكون لغة الهوية أولًا، ولغات العالم سندًا وانفتاحًا وتمكينًا. حيث ذكرت السياسة مبدأ تعزيز مكانة اللغة العربية في التعليم، وذلك “انطلاقا من محورية التعليم في تشكيل الهوية والثقافة والحضارة، فإن الأصل هو استخدام اللغة العربية للتعليم بها، في المراحل الدراسية كافة، بما يُمكّن المتعلمين من اكتساب الاتجاهات والمعارف للغوية على نحو سليم، واكتساب ثقافة اللغة العربية وتراثها الفكري والحضاري”.

وهنا يبرز نموذج كليات الشرق العربي بوصفه تجربة تستحق التقدير، إذ اتخذت من اللغة العربية أساسًا في التعليم، وهو خيار يحمل قيمة علمية ووطنية في آن واحد. فهذا التوجه يسهم في المحافظة على الهوية اللغوية والثقافية، ويجعل العملية التعليمية أكثر قربًا من الطالب وأكثر التصاقًا ببيئته ومجتمعه. كما أنه يوسع دائرة الاستفادة من العلوم والمعارف حين تُقدَّم بلغة مفهومة ومباشرة، دون أن يكون حاجز اللغة سببًا في إضعاف التحصيل أو الحد من المشاركة العلمية.

إن القيمة الإضافية التي تصنعها كليات الشرق العربي هنا لا تقتصر على تبني العربية كلغة تعليم، بل تمتد إلى الإسهام العملي في تكريس مبدأ مهم، وهو أن اللغة العربية قادرة على حمل المعرفة الحديثة، واستيعاب العلوم الإدارية والإنسانية والتطبيقية، وتقديمها بكفاءة للطلاب. وهذا النهج يتناغم مع التوجه الوطني، ويؤكد أن حماية العربية لا تكون بالشعارات، بل بالممارسة المؤسسية الواعية، وبجعلها لغة تعليم، وبحث، وتفكير، وإنجاز.

 

مقال منشور في صحيفة “إشراقة” التي تصدرها كليات الشرق العربي، العدد 79 الصادر في الاول من شوال 1447 الموافق 20 مارس 2026.

 

للإطلاع على كامل العدد، إضغط هنا ..

 

تاريخ الاضافة : Tue 17 Mar 2026 عدد المشاهدات : 424 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب