د. فيصل بن الفديع الشريف
في أفقٍ وطنيٍّ مشرق، جاءت رؤية المملكة 2030 بوصفها خارطة طريق طموحة لإعادة تشكيل ملامح المستقبل السعودي، منطلقة من إدراك عميق لمتغيرات العصر، ومتسلحة بإرثٍ تاريخيٍّ راسخ، وإمكانات بشرية واقتصادية هائلة. لم تكن الرؤية مجرد وثيقة إصلاح اقتصادي، بل مشروعًا حضاريًّا متكاملًا يعيد التوازن بين التنمية الاقتصادية والازدهار الاجتماعي، ويؤسس لنموذج تنموي مستدام يقوم على التنويع، والكفاءة، والحوكمة، والابتكار.
تستند الرؤية في ركائزها إلى بناء اقتصاد مزدهر يقلّ اعتماده على النفط، ويعزز دور القطاع الخاص، ويرفع كفاءة الإنفاق العام، ويستثمر في رأس المال البشري باعتباره الثروة الحقيقية. كما أرست أسس التحول من خلال تطوير التعليم، وتمكين الشباب، وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال، وتحديث الأنظمة والتشريعات لتحقيق بيئة استثمارية جاذبة، تتسم بالشفافية وسرعة الإجراءات. وفي البعد المجتمعي، أولت الرؤية الإنسان مكانته المستحقة، فدعمت جودة الحياة، وعززت الهوية الوطنية، ووسّعت مجالات المشاركة الثقافية والرياضية، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية ورفاه الفرد.
وقد بدأت ثمار هذه الأسس تؤتي أكلها في صورة إنجازات ملموسة، تمثلت في نمو القطاعات غير النفطية، وارتفاع معدلات التوظيف، وتدفق الاستثمارات، وتقدم المملكة في مؤشرات التنافسية العالمية، إلى جانب التحول الرقمي الواسع الذي أعاد تشكيل الخدمات الحكومية، وجعلها أكثر كفاءة وسرعة وموثوقية. كما شهدت المدن السعودية حراكًا عمرانيًّا وثقافيًّا غير مسبوق، أسهم في تحسين نمط الحياة، وفي ترسيخ صورة المملكة بوصفها وجهة عالمية واعدة. بنهاية عام 2024، بلغ اجمالي عدد المؤشرات التي لديها قراءآت مفعلة 374 مؤشر، تحقق منها بشكل كامل 299 مؤشر (منها 257 مؤشر تخطى مستهدفه)، كما قارب 49 مؤشر على تحقيق المستهدف بنسبة (85%-99%). في الوقت الذي بلغ عدد المبادرات 1502 مبادرة، اكتمل منها 674 مبادرة، ومنها 596 مبادرة على المسار الصحيح، مما يعني ان 85% من المبادرات اما مكتمل او على المسار الصحيح. فمثلا، كان المستهدف هو تمكين 11.3 مليون معتمر لأداء العمرة حتى نهاية 2024، لكن المحقق فعليا كان 16.92 مليون معتمر، في الوقت الذي كان المستهدف ان ترتفع نسبة الاسر السعودية التي تملك مساكن الى 64% بنهاية نفس العام، الا ان المحقق فعليا هو تملك 65.4 من السكان منازل خاصة بهم. كما كان المستهدف ان تصل السعودية للترتيب 26 في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الالكترونية بنهاية 2024، لكن المحقق فعليا ان السعودية أصبحت في الترتيب السادس عالميا بنهاية نفس العام.
أما التوقعات المستقبلية للرؤية، فتتجاوز حدود الأرقام والمؤشرات، لتطال بناء جيلٍ واثقٍ بقدراته، منفتحٍ على العالم دون تفريط في قيمه، ومجتمعٍ حيويٍّ قادرٍ على التكيف مع التحولات المتسارعة. ومن المنتظر أن تفضي الرؤية إلى اقتصاد متنوع أكثر استدامة، وإلى دولة مؤثرة على خارطة القرار الاقتصادي والسياسي عالميًّا، وإلى مجتمعٍ متماسكٍ ينعم بالاستقرار والفرص. وهكذا تمضي المملكة بثبات من طور الطموح إلى فضاء التحقق، بروحٍ واثقة، وإرادةٍ تصنع المستقبل.
مقال منشور في صحيفة “إشراقة” التي تصدرها كليات الشرق العربي، العدد 76 الصادر في الاول من رجب 1447هـ الموافق 21 ديسمبر 2025.
للإطلاع على كامل العدد .. إضغط هنا ..

اترك تعليقاً