د. فيصل بن الفديع الشريف
في التاريخ شواهد تُخلّد عظمة المعلم، وتُظهر كيف أن احترامه هو احترام للعلم نفسه. فحين استعاد الملك عبدالعزيز – طيّب الله ثراه – مدينة الرياض، لم ينسَ معلمه الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ الذي علّمه القرآن والعقيدة، فدعاه إلى جواره، وكان يقوم له كلما دخل عليه قائلاً “هذا معلمي الذي علّمني ديني وأنا صغير، ومن لا يوقّر معلمه لا يُبارك له في علمه ولا في حكمه.” كانت تلك الوقفة رسالة للدولة الناشئة: أن من علّمك الحرف أحقّ بالعرفان. وبعد عقود، كرّر الملك عبدالله – رحمه الله – الدرس نفسه في مشهدٍ خالدٍ التقطته عدسات التلفزيون، حين استقبل معلمه عيسى الدباغ ممازحًا إياه قائلاً: “ترى هذا الشيخ معلمي…”، كان ذلك المزاح البسيط مشهدًا مهيبًا في معناه، يُجسّد وفاء ملكٍ لتلك اليد التي خطّت له أول حرف في حياته. وقبل ذلك، لم يكن الخليفة المأمون حين قام لمعلمه الكسائي يكرّم رجلًا فحسب، بل كان يُقيم للعلم دولته، ويؤسس لعرفٍ حضاري مفاده أن السيادة لا تكتمل إلا حين تنحني للمعرفة، وأن المعلم هو أول الملوك في مملكة العقل. وهو الشيء نفسه الذي قام به أبو فراس الحمداني عندما كان في مجلسٍ ضمّ المتنبي وشعراء الدولة، وترك الأمير سيف الدولة كرسيه ووقف لمعلّمه أبي الفرج الأصفهاني، يقبّل رأسه أمام الناس، ليُعلن للعالم أن اليد التي تمسك القلم لا تقلّ مجدًا عن التي تمسك السيف.
قبل أيام، مر علينا اليوم العالمي للمعلمين (الخامس من أكتوبر)، وهو يوم وقعت فيه منظمة اليونسكو ومنظمة العمل الدولية توصية بشأن أوضاع المدرسين عام 1966 تتناول حقوقهم ومسؤولياتهم واعدادهم والظروف الخاصة بقيامهم بعملهم، واستكملت هذه التوصية بأخرى تخص أوضاع هيئآت التدريس في منظمات التعليم العالي التي اعتمدت عام 1997، وهو يوم يجعلنا نتذكر مثل هذه القصص الملهمة التي تؤكد أن المعلم ليس ناقل معرفة فحسب، بل صانع وعيٍ وبانٍ للضمير الوطني. وعليه، فإن الأمم التي تُكرم معلميها، تبني ثقافتها على أساس أن التعليم رسالة والمعلم هو حاملها. وفي المملكة اليوم، ونحن نسير نحو رؤية 2030، يبقى تكريم المعلم واجبًا وطنيًا، لأنه هو من يترجم الرؤية إلى واقع، والطموح إلى إنجاز.
بعد اكثر من خمس وعشرون سنة قضيتها ممارسا لإدارة المشاريع في أدوار ووظائف متعددة في مواقع المشاريع، اتجهت للسلك الاكاديمي لأشارك طلابي المعرفة التي اكتسبتها في مواقع العمل، ومع اني احمل من قبل كل التقدير والعرفان للمعلمين اللذين ساهموا في تعليمي، الا ان ممارسة عملهم جعلني اعرف عن قرب، مدى الجهد الذي يبذلونه في جمع المعرفة ومشاركتها ونقلها. فلنجعل كل الأيام للمعلم، نقف فيها كما وقف الملوك لمعلميهم، وقفة وفاءٍ لمن حمل عنا مشاعل الفكر وبنى فينا معنى الوطن.
____________________________________________________
مقال بمناسبة اليوم العالمي للمعلمين، نُشر في جريدة “إشراقة” التي تصدرها كليات الشرق العربي بالرياض، العدد 74 الصادر في الاول من جماد الاول 1447هـ الموافق للثالث والعشرون من اكتوبر 2025م.
للإطلاع على كامل عدد الجريدة رقم 74 ،، إضغط هنا ..

اترك تعليقاً