مشاركة القطاع العام للقطاع الخاص في تنفيذ المشاريع

د. فيصل بن الفديع الشريف

 

في عام 1933 اتفقت الحكومة الملك عبدالعزيز رحمه الله مع شركة أمريكية للتنقيب عن البترول واستخراجه، ويعتبر هذا الاتفاق من أوائل المبادرات في التوجه للمشاركة مع القطاع الخاص لعدم توفر الأموال الكافية للقيام بالعمل مباشرة. وهناك مبادرات أخرى للتوجه للقطاع الخاص، الا ان الحكومة البريطانية تعتبر رائدة هذا التوجه في العصر الحديث، حيث بدأ تطبيق مفاهيم خصخصة الشركات العامة منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، واستمر هذا الاتجاه مع تطوره الى ان شمل اشراك القطاع الخاص في توفير مشاريع الخدمات العامة بما عرف منذ عام 1992 بمبادرات التمويل الخاص Private Finance Initiative (FPI) او بمشاركة القطاع العام والخاص  Public Private Partnership (PPP)عندما وسعت حكومة العمال منذ توليها الحكم في عام 1997 استخدام هذا المفهوم واعتمدت عليه في توفير أغلب مشاريعها.

وتعتبر الخصخصة او التوجه للقطاع الخاص في توفير المشاريع أسلوبا جديدا في إدارة المشاريع. حيث توفر الحكومات الكثير من التكاليف الرأسمالية التي تصرفها على تنفيذ المشاريع وتوجهها لمسارات أخرى أهم في مسارات التنمية. كما تستفيد من مميزات أخرى كثيرة يوفرها هذا التوجه من جودة الخدمة والاستدامة وكفاءة التشغيل والصيانة والتركيز على الاعمال الأساسية Core Business ، فبدلا من إنشغال الوزارات المتخصصة كالتعلم والصحة بالمرافق بناءاً وتشغيلا، تقوم بالتركيز على اعمالها الأساسية وتحويل عناء تصميم وتنفيذ وتشغيل وصيانة المرافق الى القطاع المتخصص بضوابط معينة ومحددات دقيقة للإحتياج.

كما يعتبر تنفيذ المشاريع وتوفير الخدمات بطريقة المشاركة بين القطاعين العام والخاص من الاتجاهات الحديثة في إدارة المشاريع، ويهدف الى الاستفادة من إمكانيات القطاع الخاص فيما يتعلق بالتمويل والادارة، وفي نفس الوقت تخفيف الضغط على الميزانية العامة عندما توجه جل ايراداتها الى تنفيذ المشاريع وما يمثله ذلك من تكاليف رأسمالية عالية. والمشاركة يمكن أن تتحقق بعدة صيغ أشهرها نظام (بناء – تشغيل – نقل BOT) وما تلاه من تطورات. هذا النظام يعني أن يقوم القطاع العام بتحديد الإحتياجات والمتطلبات ومخرجاتها ، وان يقوم بالرقابة والتحكم وضمان شراء الخدمة، في الوقت الذي يقوم فيه القطاع الخاص بالتصميم والتمويل والتنفيذ والصيانة والتشغيل. وهذا النظام يأتي إمتدادا لإستراتيجيات التخصيص التي تهدف الى نقل المنشآت بالكامل من القطاع العام للقطاع الخاص. إلا أنه يُبقي التحكم في جودة المخرجات وتوفر المكان Space availability and facilities performance في يد القطاع العام الذي يعتبر المنظم الرئيسي Regulator لمثل هذا النوع من التوجهات. وآليته ببساطة أن يقوم القطاع العام بتحديد متطلباته بدقه ليتقدم القطاع الخاص بعروضه لتوفير هذه المتطلبات وتشغيلها وصيانتها لمدة تعاقدية طويلة قد تمتد الى أربعين سنة.

عندما تكون الخدمة المطلوبة من ذوات العوائد كالكهرباء والماء والطرق، فإنه يتم توفير هذه الخدمات بدون أن يدفع القطاع العام أي تكاليف رأسمالية ويضمن تشغيل وصيانة هذه المشاريع لسنوات طويلة وفي نفس الوقت يحصل على عوائد من هذه الخدمات بعكس النظام التقليدي الذي يُحمل ميزانيات القطاع العام الكثير من الاموال في سبيل تمويل هذه المشاريع وربما تتأخر كثيرا او تُنجز جزئيا بسبب عدم توفر المبالغ الكافية لدى القطاع العام (بلغت تكلفة تنفيذ مترو الرياض أربعة وثمانون مليار ريال، هذه التكلفة كان يمكن توفيرها وتوجيهها لمصارف أخرى لو تم تكليف القطاع الخاص بتنفيذ وتشغيل هذا المشروع مع مشاركته في العوائد التي يحصل عليها). وإذا كانت الخدمة المطلوبة غير ذات عائد كالمرافق التعليمية او الصحية او الامنية، فإن القطاع الخاص يقوم بتوفيرها ويكون مسئولاً عن التصميم الذي يحقق المتطلبات ويوفر الاستدامة ويُخفض التكاليف وهذه كلها مميزات تكون نتاج الابداع والابتكار، وبعد التنفيذ يستمر القطاع الخاص مسئولا عن الصيانة والتشغيل ليؤدي هذا المرفق الخدمة المطلوبة بكفاءةٍ عالية، ويحصل على أتعابه على شكل مبالغ دوريه إعتماداً على توفر الخدمة وكفاءة أداء المرفق. وبهذا يضمن القطاع العام عدم دفع تكاليف رأسماليه عاليه وتوفير الخدمة المطلوبة بشكل جيد ومضمون مهما تقادم عمر المبنى.

هناك العديد من المشاريع التي يمكن تنفيذها عن طريق تنظيم طرحها وإسنادها الى القطاع الخاص وبذلك تتمكن الجهات الحكومية من التركيز على اعمالها الرئيسية بدلا من الإنشغال بالمباني والتجهيزات حتى تضخمت الإدارات الفنية في بعض الوزارات حتى أصبحت أكبر من الادارات التي تمثل العمل الرئيسي لها، وهذا ماحدا بوزير التربية والتعليم السابق أن يذكر أن وزارته تحولت الى “وزارة التربية والبناء والتشييد” في الوقت الذي كان من المفترض التركيز فيه على المنهج زالمعلم والطالب والتربية. ولو تم تطبيق التوجه بشكل صحيح لما وجدنا مدارس مستأجره أو مراكز صحية قديمة او متهالكة ولأصبحت حتى المراكز الامنية والسجون في أحسن أحوالها. وهو مبدأ تم تطبيقه في دول كثيرة وأثبت نجاحه وحقق القطاع العام أهدافه في توفير خدمات متميزة، كما حقق القطاع الخاص أهدافه الاستثمارية بمشاركته في توفير هذه الخدمات. وقد تم تنفيذ هذه المشاريع الخدمية في بريطانيا مثلاً بإستخدام هذا التوجه، حيث تم إنشاء العديد من المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية والامنية و السجون والمباني الادارية الحكومية عن طريق تطبيق هذا المبدأ، ومنها إستفادت دول كثيرة خصوصا مع وجود العجز في الميزانية أو إرتفاع معدل الطلب على الخدمات لوجود نمو سكاني عالي على سبيل المثال أو لأي سبب آخر. كما حقق فوائد أخرى من تفادي مخاطر المشاريع والقضاء على أسباب كثيرة لتعثر المشاريع وكذلك تحقيق تخفيض عالي في التكاليف يصل الى 17% مع ارتفاع ملحوظ في جودة المشاريع واستدامة تشغيلها بكفاءة عالية.

في المملكة العربية السعودية، نادت الحكومة في استراتيجية التخصيص التي صدرت بقرار مجلس الوزراء رقم 60 وتاريخ 1/4/1418هـ بترشيد الإنفاق العام والتخفيف عن كاهل ميزانية الدولة بإتاحة الفرصة للقطاع الخاص بتمويل وتشغيل وصيانة بعض الخدمات التي يمكنه القيام بها كهدف اساسي من أهداف التوجه للقطاع للقطاع الخاص. وعُززت بقرار مجلس الوزراء الذي صدر عام 1423هـ وحدد عشرون مجالا يمكن أن تُحول بكاملها للقطاع الخاص او ان يشارك فيها مشاركة فاعلة، وقد حددت اساليب وضوابط هذا التوجه مجموعة من العقود التي يمكن إختيارها حسب الحاله. من هذه العقود عقود البناء والتشغيل والنقل. الا أن موجة التوجه لهذا النوع من العقود ما تزال بطيئة أو غير موجودة، فالتخصيص لا توجد له سياسة موحدة غير تلك التي اصدرها المجلس الاقتصادي الاعلى ولم يقرر من يقوم بمتابعتها وتنظيمها. وكذلك مشاريع المشاركة التي ما تزال بطيئة الا من مبادرات جيده تقوم بها وزارة المياه والكهرباء، وما تزال مشاريع السكك الحديدية تحت الاجراء منذ عدة سنوات. وما يهم الآن هو أن هناك مجالا واسعا للإستفادة من هذا التوجه في تحديث وتطوير مشاريع الخدمات والمرافق العامة وهو أمر تنادي به الحكومة في مستوياتها العليا الا أنه يحتاج الى تغيير جذري في مفهوم تملك القطاع العام للمرافق أو توفيره للخدمة. كما يحتاج الى توعية وتعريف، ومن هنا قررت الهيئة السعودية للمهندسين ممثلة في شعبة إدارة المشاريع ان يكون المؤتمر الخامس لإدارة المشاريع والذي سيعقد في الرابع والخامس من شهر مايو 2016 عن إدارة مشاريع المشاركة بين القطاعين العام والخاص، حيث سيتحدث في المؤتمر نخبة من المختصين من داخل وخارج المملكة في المفاهيم والسياسات المتعلقة بمشاريع المشاركة، وفي التجارب الدولية والمحلية في هذا الاتجاه، وكذلك في الاحتياج والفرص المناسبة للمشاركة، وفي دور المصارف والمؤسسات التمويلية في مشاريع المشاركة وكذلك في البيئة التنظيمية والتشريعية لمشاريع المشاركة. وسيكون المؤتمر تحت رعاية كريمة من معالي وزير الإسكان.

يعلو الاهتمام بالتوجه للقطاع الخاص وينخفض إعتمادا على أسعار النفط، فعندما تكون الأسعار عالية والموارد المالية للميزانية العامة جيدة، يتم تناسي هذا التوجه والاعتماد على هذه الموارد لتوفير المشاريع. وعندما تنخفض أسعار النفط تتنادى الأصوات للتوجه للقطاع الخاص في توفير المشاريع. ثم ما تلبث هذه الأصوات ان تخفت عندما ترتفع الأسعار مرة أخرى. ويمكن ان يكون عدم وجود جهاز يقوم على تنفيذ هذه التوجهات ورسم السياسات الخاصة لها والتخطيط مباشرة مع الجهات المختلفة لتحقيقها، هو احد اهم الأسباب لعدم تقدم هذا التوجه بالشكل المطلوب. مع ما رأيناه من فوائد عندما تم تكليف القطاع الخاص بالمشاريع او تم تحويل بعض الخدمات العامة له مثل الهاتف والكهرباء والماء. وقد تم تكليف المجلس الاقتصادي الأعلى بهذا التوجه قبل ان يتم الغاءه واستبداله بمجلس الشئون الاقتصادية والتنمية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله. وقد قام المجلس بإطلاق إستراتيجية التحول الوطني التي ترسم في احد معطياتها معالم الطريق للتوجه نحو القطاع الخاص بإتخاذ مجموعة من السياسات والإجراءآت التي تهدف الى طرح مجموعة من القطاعات والنشاطات الاقتصادية للخصخصة، وتذليل العقبات التشريعية والتنظيمية والبيروقراطية امام القطاع الخاص بما يوفر فرصا للشراكة بين القطاعات المختلفة العامة والخاصة وغير الربحية. مع إعطاء الأولوية للإستثمار في المشاريع والبرامج التنموية التي تخدم المواطن بشكل مباشر كقطاعات التعليم والصحة والخدمات الأمنية والمياه والصرف الصحي والكهرباء وغيرها.

من المعلوم ان التوجه للقطاع الخاص يقابل بمقاومة من أغلب الإدارات التي ترى فيه تقليلا لنفوذها وسيطرتها، ولهذا يحتاج اكثر ما يحتاج اليه الى التحرر من الفكر الإداري التقليدي والنظر الى الأمور بعين المصلحة أولا. لهذا يتطلب تغييرا جذريا للمفاهيم الإدارية وتحديثها وفي بعض الأحيان اما اقناع أصحاب هذا الفكر وتبنيهم للتوجهات الجديدة او إبعادهم عن المسارات التي يجب تطبيق هذه المفاهيم فيها، وذلك حتى تولد سليمة معافاة. لكن الامر المهم هو تأسيس الجهاز الإداري الذي يرتبط بأعلى المستويات والذي يكون مسئولا عن تطبيق هذه المفاهيم والتنسيق مع الجهات المختلفة التي تحتاج اليها وتذليل العقبات التي تعترض طريقها في سبيل التطبيق، خصوصا وان تطبيق هذه المفاهيم في الغالب يحتاج الى قرارات شجاعة ولا يعتمد على توفر المبالغ المالية، حيث سيتكفل القطاع الخاص بتوفير التمويل الكافي لمثل هذا النوع من المشاريع. كما ان المهم ليس إقرار الإستراتيجيات او إصدار القرارات بقدر ما يتم تطبيقها على ارض الواقع بحزم وجرأه وإستمرارية. فعلى سبيل المثال، صدر مجلس الوزراء رقم 260 عام 1434 بترتيبات ممتازة لمعالجة تعثر المشاريع، الا ان عدم تطبيق اغلب بنود القرار لم يُغير شيئا في واقع المشاريع المتعثرة. حيث مازالت الكثير من المشاريع العامة تعاني من التعثر مهما تعددت الأسباب.

 

________________________________________________

مقال للدكتور فيصل الفديع الشريف نُشر في مجلة المهندس التي تصدرها الهيئة السعودية للمهندسين (العدد 99 الصادر شهر ذو القعدة 1437هـ ،، أغسطس 2016)  ….

 

للإطلاع على كامل المقال ،، إضغط هنا

 

للإطلاع على كامل عدد المجلة ،، يمكن الضغط هنا

 

 

تاريخ الاضافة : Fri 15 Oct 2021 عدد المشاهدات : 2850 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب