إلزام ما لا لزوم له في العمارة بين التقليد والمعاصرة

فرحات الطاشكندي

 

 

1 – مقدمة
في زمن التغيرات المتسارعة، يعيش المعماريون بين ضغوط التقليد ونداءات المعاصرة. ويُطرح سؤال جوهري: هل كل ما وُرث من تقاليد معمارية ملزم بالتقيد به؟ أم أن بعض هذه التقاليد تحول إلى إلزام لا لزوم له يُقيد الإبداع؟

2 – مفهوم الإلزام في العمارة
الإلزام في العمارة يمكن أن يتخذ وجوهاً عدة:
– الإلزام الوظيفي: عندما تفرض البيئة أو المناخ أو الثقافة تصميمات معينة.
– الإلزام الاجتماعي: عندما يملي المجتمع شكلاً معمارياً يعكس هويته.
– الإلزام الشكلي: التقليد الأعمى لطرز معمارية فقدت وظيفتها وبقيت كرموز فارغة.

3 – الإلزام في العمارة التقليدية
في العمارة التقليدية، كان الإلزام يستند إلى:
– المناخ: كوجود المشربيات في البيئات الحارة.
– الدين: كتوجيه القبلة والخصوصية.
– الاجتماع: كالساحات الداخلية.
كل هذه الإلزامات كانت مبررة وظيفياً.

4 – الإلزام في العمارة المعاصرة
مع الحداثة، ظهر نوع آخر من الإلزام:
– كوجود تنوع في مواد البناء وتقنياتها وتوفرها محلياً وإمكانية نقل من مكان لآخر.
– مثل انتشار الزجاج الواسع في المباني في البلاد ، والذي لا ينبغي النظر إليه كمنتج غربي، بل هو اليوم منتج محلي ووطني، وله استخدامات عملية في إدخال أشعة الشمس المفيدة، والاستمتاع بجمال الطبيعة عبر النظر، وهو أمر ذو قيمة مادية وجمالية.

5 – بين التقليد والمعاصرة
– التقليد: يصبح عبئاً حين يُمارس بلا فهم.
– المعاصرة: تتحول إلى تبعية حين تُطبق خارج سياقها الثقافي.

 

6 – نماذج من إلزام ما لا يلزم:
– القبة الإسلامية: أُلصقت بالأسلام وهو حل إنشائي لإنشاء بحور واسعة ، في بعض المشاريع توضع قباب بلا سبب وظيفي فقط لإضفاء هوية غير حقيقية.
– الأقواس والأعمدة: أُلصقت بالأسلام وهي حلول إنشائية فتوضع أحياناً لمجرد الإيحاء بالتراث.

7 – المنهج السليم
– الفهم لا الحفظ: المعمار يستلهم من الماضي لا لينسخه.
– التحرر الواعي: من الشكل مع التمسك بالمعنى.
– إحياء الوظائف لا الرموز: فإذا احتاج المشروع إلى الخصوصية، يمكن استلهام المشربية مثلاً والتي تكون بمواد حديثة ، لا تقليدها شكلاً.

8 – المعماري التقليدي والمعاصر
المعماري في السابق كان يملك مواد محدودة فاستعملها بذكاء واقتدار، فأبدع أشكالاً من مكونات المواد المحلية كالطين والخشب والحجر.
أما اليوم، فقد أتاح التقدم التكنولوجي وتنوع المواد وسهولة النقل للمعماري أن يتجاوز حدود الأشكال التقليدية ويبدع أشكالاً لم يعهدها المعماري السابق وهي في نفس الوقت صناعة محلية برساميل سعودية.
وهذا من تسخير الله للناس في تطوير أدواتهم ووسائلهم، مما يجعل المعمار المعاصر مطالبًا بـ:
– استشراف المستقبل.
– ابتكار لغة معمارية جديدة تراعي المعطيات الحديثة.
– الموازنة بين الأصالة والابتكار.

9 – الهوية بين الوراثة والإبداع
“الهوية ليست ما نرثه فقط، بل ما نضيفه بوعي وفهم ( فرحات الطاشكندي)”.
هذه العبارة تختصر الرؤية المتجددة للهوية المعمارية. فالمعماري لا يكفي أن يكرر ما وجده من السابقين، بل عليه أن يضيف وعياً جديداً وفهماً معاصراً، يحول التراث من مجرد مادة للنسخ إلى مصدر للإلهام المتجدد.
في كل زمن، تتشكل الهوية من عناصر موروثة ومكتسبات معاصرة، والمعمار المبدع هو الذي يمزج بين الاثنين ليخلق هوية متجددة وقابلة للتطور.

فالعمارة الواعية هي التي تعرف أن “ليس كل ما كان لازماً في الماضي يلزم في الحاضر بنفس الشكل”.
والمعمار الناجح هو الذي يقرأ حاجات الإنسان المعاصر بمنهجية الماضي، لا بشكله فقط.

10 – إذاً كيف نميز ما هو لازم مما لا يلزم
حسب ما اقترحته من الأستفادة من المفاهيم اللغوية الأصلية التي تحمل عمقاً في الدلاله وسعة في التطبيق من هذه المفاهيم نبرز ثلاثة مصطلحات : التأثيل ثم التأصيل وأخيراً الترسيس بحيث يساعدنا ويمكننا من التمييز بين ما يلزم وما لا يلزم :
(Architectural Etymology) أولاً : التأثيل المعماري
– الجذر اللغوي: من “أَثَلَ”، أي عاد إلى الأصل.
– الاستخدام في اللغة: بيان أصل الكلمة أو الفكرة.
– الاستخدام المعماري: البحث في جذور العناصر المعمارية، مثل نشأة المشربية، أو الفناء الداخلي، أو نمط المدخل المنكسر.
– الوظيفة: تفكيك العمارة التقليدية لفهم منطلقاتها البيئية والاجتماعية والمناخية.
– مثال: تأثيل فكرة الفناء الداخلي في البيوت كاستجابة مناخية واجتماعية وليست كهوية.

ثانيًا: التأصيل المعماري : (Architectural Foundation)
– الجذر اللغوي : من “أَصَلَ” أـي وضع أساساً متيناً.
– لاستخدام في اللغة: بناء قاعدة فكرية أو منهجية.
– الاستخدام المعماري: صياغة المبادئ النظرية التي تعبّر عن القيم المحلية، مثل مبدأ الخصوصية، أو احترام النسيج العمراني التاريخي.
– الوظيفة: تشكيل نظري لهوية معمارية متسقة مع المكان والزمان والقيم.
– مثال : تأصيل مبدأ “الأنسنة” كمبدأ تخطيطي في مشاريع التنمية العمرانية السعودية

ثالثًا: الترسيس المعماري (Architectural Anchoring) :
– الجذر اللغوي : “الرَّسّ”، أي التثبيت والتأسيس.
– الاستخدام في اللغة: الإحكام والتمكين.
– الاستخدام المعماري: تثبيت القيم المؤصلة في الممارسة الفعلية عبر الأدلة التصميمية، واللوائح، والتعليم المعماري.
– الوظيفة: الانتقال من النظرية إلى التطبيق لضمان استمرارية الهوية في الإنتاج المعماري.

من خلال هذا الإطار الثلاثي (التأثيل، التأصيل، الترسيس)، يمكن بناء مسار متكامل يعيد للعمارة عند المسلمين خصوصيتها، ويُخرجها من أسر الاستنساخ والتقليد. إنها دعوة للعودة الواعية إلى الجذور، لاجتراح مستقبل معماري أصيل، وفاعل، ومُعبر عن الذات..

التأثيل كأداة تفكيكية لفهم العمارة التقليدية:
في ظل الدعوات المتزايدة للعودة إلى العمارة التقليدية بوصفها حاملة للهوية، تظهر الحاجة إلى مراجعة نقدية عميقة لهذا التصور، من خلال أدوات تحليلية تتجاوز الرؤية الرومانسية أو السطحية. من هذه الأدوات، يبرز “التأثيل” كمنهج لكشف الأصول التاريخية والوظيفية للعناصر المعمارية، وتفكيك ما ترسّخ حولها من رمزية تُنسب إلى الهوية، دون مساءلة.

من خلال التأثيل، نُعيد قراءة العناصر التي يَظُن البعض أنها “أصيلة” ومحلية، مثل الفناء، المشربية، القبة، الأقواس… لنتبين أنها وُجدت قبل الإسلام، وعبر حضارات متعددة، وأنها استُخدمت لأغراض بيئية ووظيفية بالأساس، لا رمزية هوياتية.
وهنا يتقاطع التأثيل مع المنهج التفكيكي الذي طرحه جاك دريدا، والذي يقوم على الشك في الثنائيات المطلقة (أصيل/دخيل، تقليدي/حديث)، وكشف المسكوت عنه في الخطاب. وبذلك، يتحول التأثيل إلى أداة تفكيكية تُعيد مساءلة “الوعي الجمعي المعماري” الذي تبنى عناصر تقليدية دون فحص مرجعياتها، وجعل منها “هوية” دون وعي بنشأتها وسياقاتها.

إعادة تأثيل العمارة التقليدية تُمكن المعماري من التمييز بين العناصر القابلة للتأصيل وإعادة التوظيف ضمن مشروع معاصر، وتلك التي لم تعد مناسبة وظيفيًا أو اجتماعيًا. وهو ما يسمح بإنتاج عمارة تنتمي للمكان والزمان، دون أن تقع في فخ التكرار أو السكون الرمزي.

من أبرز الإشكالات التي تواجه موجهات العمارة المعاصرة أنها تُفرط في التركيز على نقل المفردات الشكلية من العمارة التقليدية – كالأقواس، والمشربيات، والمواد المحلية – دون أن تُدرج ضمن توجيهاتها القيم الجوهرية التي شكلت أساس العمارة التاريخية.
وهذا على خلاف ما دعت إليه العمارة السلمانية وميثاق الملك سلمان العمراني، اللذان أكّدا على ضرورة استلهام القيم لا مجرد استنساخ الأشكال.
فالبيت النجدي، أو الحجازي، أو الجنوبي، أو الحساوي، لم يكن يتميز فقط بمظهره الخارجي، بل كان يقوم على منظومة من القيم الاجتماعية والعمرانية، منها:
– احترام خصوصية الجيران.
– تجنّب الإطلال المباشر على الفضاءات الداخلية.
– توجيه النوافذ بعناية لضمان الستر.
– والتدرج البصري من العام إلى الخاص.
ورغم ذلك، نجد اليوم أن العديد من الموجهات تفرض أشكالًا تراثية على الواجهات، لكنها تغفل عن تضمين قيم الخصوصية والانضباط البصري في التوزيع الداخلي، مما يؤدي إلى تصميمات:
– تكشف غرف النوم على الشارع.
– تُشرف مباشرة على فناء الجار.
– وتفتح نوافذها على المجالس ومسارات النساء، دون اعتبار للخصوصية.
وهذا يُناقض جوهر العمارة التراثية، التي نشأت أصلاً لحماية الساكن من أعين الغريب، لا لتقديم مشهد زخرفي متكلف للمتلقي.

هذا الخلل في الانشغال بالشكل دون المضمون، هو ما تسعى منهجية التأثيل إلى تفكيكه، من خلال:
– تحليل العناصر الشكلية: هل هي نابعة من ضرورة وظيفية أم من ظرف زمني؟
– إعادة تأصيل القيم المعمارية: كالسِّتر، والتدرج، والانضباط البصري.
– ترسيس هوية عمرانية تُعبّر عن تلك القيم بلغة معمارية حديثة، لا بنسخ سطحي من الماضي.
فالهُوية لا تكمن في شكل القوس، بل في ما يُحققه من احتشام وتوجيه بصري وتكامل مع الإنسان والمكان.

ولعل من أبرز النماذج الناجحة في هذا السياق عمارة حي السفارات بالرياض، حيث نجد استجابة راقية للتنوع في العمارة الحديثة، مع استمرار تضمين القيم في السياق المعاصر. فقد رُوعي في تصميم الحي:
– احترام خصوصية الجيران.
– منع الكشف البصري المتبادل.
– حرية ارتداد المباني أو البناء على الصامت.
مما أضفى على الحي هوية معمارية تجمع بين عمق القيم ومظاهر الحداثة العمرانية.

إن نقد التراث المعماري لا يعني المساس بالمقدس، بل يتركز على التراث البشري الذي صاغه المعماريون وفق ظروفهم الاقتصادية والتقنية والمعرفية في فترات زمنية سابقة. فالعمارة التقليدية لم تكن دائمًا ناتجة عن اختيار جمالي أو وظيفي حر، بل كانت في كثير من الأحيان استجابة لقيود البناء والمواد المتاحة.
ومن هنا، فإن النقد لا يُفهم بوصفه رفضًا، بل تمييزًا بين ما في المباني التراثية من إيجابيات ينبغي استمراره، وبين ما أصبح في زمننا من المعوقات التي ينبغي تجاوزها. وهذا التمييز هو جوهر ما دعت إليه العمارة السلمانية، التي تؤكد على أهمية التركيز على القيم الجوهرية في العمارة، مع استشراف المستقبل والحداثة بوعي متجدد.
فالنقد المعماري هو بوابة التأثيل، أي تفكيك العناصر التراثية إلى أصولها الوظيفية والتاريخية، بهدف تأصيل ما يتلاءم مع الحاجات المعاصرة، ثم ترسيس هوية معمارية أصيلة، دون الوقوع في أسر التقليد أو قيد الشكل.

وتتجلى أهمية هذا الطرح حين نقارن بين:
– مسجد جامعة تبوك، الذي يغطي قطر دائرة 92 مترًا بدون أعمدة داخلية، مما يسمح بامتداد الصفوف دون انقطاع، ويُوفر رؤية مباشرة للخطيب، ويُعزز من أداء الوظيفة الأساسية للمسجد كمكان لصلاة الجمعة والجماعة.
– ومسجد قباء بعد تطويره، حيث الأعمدة الخرسانية الكثيفة تُقطّع الصفوف وتحجب الرؤية، في محاولة لمحاكاة الشكل التاريخي، دون إدراك أن تلك الأعمدة في الأصل كانت ناتجة عن ضرورات تقنية في زمن مضى، لا عن قناعة وظيفية.

إن التأثيل يُظهر أن فهم السبب التاريخي والوظيفي لوجود العناصر هو ما يمنح المعماري المعاصر قدرة على إعادة توظيف الفضاء بذكاء، وتحويل القيود السابقة إلى فرص حالية، من دون أن يتخلى عن الهوية أو القيم.

مسجد ” جامعة تبوك “.. هندسة معمارية فريدة 27 شوال 1441 هـ الموافق 19 يونيو 2020 م واس

 

 

تاريخ الاضافة : Mon 19 Jan 2026 عدد المشاهدات : 430 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب