نقد أطروحة جميل أكبر في كتابه “عمارة الأرض”

 

فرحات الطاشكندي

 

1. دعوى جميل أكبر في قرائته المغلوطه في تفسير اشكالية تخلف البيئة العمرانيه

في كتابه عمارة الأرض، أرجع جميل أكبر سبب التخلف العمراني في بيئة المسلمين إلى نظام الوقف.

استند في ذلك على حالة فردية من مكة المكرمة، حيث أساء ناظر الوقف إدارة ممتلكات الوقف وخالف شروط الواقف.

بدل أن ينسب الفساد إلى سوء إدارة الناظر، عمّم الحكم على نظام الوقف ككل.
هذا تعميم غير علمي، يُلغي قرونًا من التجارب الوقفية التي لعبت دورًا هائلًا في التنمية العمرانية والحضرية.

2. الدور الحقيقي للوقف

الوقف في الحضارة الإسلامية كان:
أداة تمويل مستدام لمشاريع البنية التحتية (مساجد، مدارس، مستشفيات، طرق).
وسيلة للحفاظ على التراث العمراني وصيانته عبر العصور.
مصدرًا حيويًا لإدارة البلدان، عبر شبكات اقتصادية–اجتماعية متكاملة.
مشكلته لم تكن في جوهره، بل في بعض ممارسات النظّار، وهو أمر طبيعي يمكن إصلاحه بالرقابة والشفافية.

3. مغالطة المشاركة المجتمعية

يرى جميل أكبر أن المشاركة المجتمعية يمكن أن تحل مشاكل البنية التحتية في المدن الحديثة، كما كانت تُحل في السابق بالتدرج Incremental.

لكن هذا الطرح غير واقعي في السياق الحضري المعاصر، للأسباب التالية:

1. شبكات البنية التحتية الحديثة (طرق، مياه، كهرباء، صرف صحي، مواصلات عامة، اتصالات) تتطلب استثمارات هائلة وإدارة مركزية متقدمة.

2. لا يمكن للأفراد، حتى لو تكاتفوا، أن ينشئوا شبكات متكاملة على مستوى المدينة.

3. الفارق الجوهري أن التنمية سابقًا كانت تدريجية ومحلية، بينما اليوم تتطلب تخطيطًا استراتيجيًا متكاملًا على مستوى الحواضر.

4. الخلاصة

إسقاط تخلف البيئة العمرانية على الوقف هو خطأ جسيم، لأنه يهمل دوره التاريخي في تمويل وتنمية العمران.
المشكلة تكمن في إدارة الأوقاف وليس في الوقف ذاته.
المشاركة المجتمعية اليوم لا تكفي لمعالجة تحديات المدن المعاصرة، بل يجب أن تكون جزءًا من منظومة أكبر تقودها إدارة حضرية عالية المستوى تتولى:
التخطيط الاستراتيجي.
التنسيق بين القطاعات.
التمويل والتشغيل والإدارة.

بهذا يتضح أن الوقف كان رافعة حضارية لا عائقًا، وأن العمارة السلمانية يمكن أن تُعيد إبراز هذا الدور من خلال ربط الأوقاف بالتنمية المستدامة وإدارة المدن الحديثة.

 

 

التوضيح القاطع والدقيق، والذي يصوب المسار ويضع الأمور في نصابها الصحيح :

1. ان نقد الدكتور جميل أكبر كان انتقائياً ومتحيزاً
د جميل أكبر في نقده للوقف ارتكب مغالطة انتقاء الأدلة (Cherry-picking):
· تجاهل 14 قرناً من النجاح: اختار أمثلة محدودة جداً وشاذة ليمثل بها نظام الوقف، متجاهلاً عمداً آلاف الأمثلة على نجاحه ودوره المحوري في عمارة الأرض واستدامة التمويل عبر التاريخ الإسلامي.
· التعميم غير العادل: بناءً على حالات فشل قليلة ونادرة، عمم حكماً على النظام بأكمله، وهو منهج غير علمي.
· التغاضي عن نماذج الحوكمة الناجحة: لم يتحدث عن النماذج التاريخية والعملية لإدارة الوقف التي حققت شفافية وكفاءة عالية، والتي كانت القاعدة وليس الاستثناء.

2. الفرضية الخاطئة: الخلط بين “فساد الإدارة” و “فساد النظام” و هنا يكمن الانحياز الفكري الأساسي للدكتور جميل:
· النظام ليس هو المشكلة: الوقف كمنظومة شرعية واقتصادية هو نظام عبادي عبقري، أقره النبي صلى الله عليه وسلم وحث عليه، وكان دعامة من دعامات الحضارة الإسلامية.
· المشكلة هي في التطبيق البشري: فساد بعض النظار أو تدخل البيروقراطية هو خلل في التطبيق، وليس في أصل النظام.
· المنطق السليم: أن نصلح التطبيق، لا أن نلغي النظام. كمن يريد إلغاء فريضة الزكاة لأن بعض العاملين عليها قد يفسدون!

3. يهدف المنهج الاستقرائي إلى جمع البيانات والعلاقات المترابطة بطريقة دقيقة من أجل الربط بينها بمجموعة من العلاقات الكلية العامة ويتميز هذا المنهج بانتقال الباحث فيه من الجزء (وهو انتقاد الحوكمة) نحو الكل فالكل هنا هو الميل الضمني لإلغاء الوقف.
لقد مال الدكتور جميل ضمناً إلى تبني رأي بعض الفقهاء أو الاستناد إلى حديث ضعيف بإلغاء الوقف” وهذا يتضح من:
· وضعه للوقف في “الإذعان الحيازي” (الذي يصفه بأنه مصدر التدهور) فقط، وتغاضيه عمداً عن إمكانية وضعه في “الإذعان المتحد” (ذي المسؤولية الواضحة) الذي كان نموذج وقف عثمان بن عفان وغيره مثل وقف صبيح في اشيقر.
· استخدامه للوقف ككبش فداء لإثبات نظريته حول أنماط السيطرة على الأرض، حتى لو اضطر لتشويه صورة النظام لتحقيق هذه الغاية.

4. مقارنة عادلة: كيف يجب أن يكون النقد الموضوعي؟
نقد د جميل أكبر (انتقائي متحيز) فالنقد الموضوعي (المنهج الصحيح) يركز على حالات الفشل النادرة و يدرس النظام بشكل شامل، فينجحه وفشله.
يعمم حكماً على النظام بأكمله بناءً على حالات شاذة.
يفرق بين إخفاق التطبيق وكمال النظام.
يتجاهل نماذج النجاح الباهرة (كوقف عثمان رضي الله عنه ووقف الولي صبيح).
يجعل من نماذج النجاح أساساً للإصلاح.
يهدف إلى إثبات نظرية مسبقة (أنماط السيطرة).
يهدف إلى تقويم النظام وتحسينه.

5. وقف عثمان: النموذج الذي يدحض دعوى د جميل أكبر
فوقف عثمان بن عفان رضي الله عنه هو الرد العملي الأقوى على ما جاء في كتاب عمارة الارض.
· هذا الوقف ما زال منتجاً ومستداماً بعد أكثر من 1400 عام، ويدر دخلاً بالملايين يُنفق على وجوه البر.
· هو دليل حي على أن الإذعان المتحد (المسؤولية الواضحة) ممكن تحقيقه في نظام الوقف ومع ذلك ادخله في الاذعان الحيازي!!!!! .
· هو يثبت أن المشكلة ليست في النظام، بل في الإدارة. فلو كان النظام فاسداً بطبيعته لما استمر وقف عثمان بهذه القوة وكذلك وقف صبيح إلى يومنا هذا و اوقاف الحرمين التي تدر ريعا سنويا بمئات الملايين .

6. التصحيح النهائي والموقف الواضح
·د جميل أكبر أخطأ في منهجه بانحيازه وانتقائيته، ومال خطأً إلى تبني رأي متشائم تجاه نظام الوقف.
· الوقف نظام إلهي عبقري، أقره النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عماداً للعدالة الاجتماعية والعمران في التاريخ الإسلامي.
· الدفاع عن الوقف هو دفاع عن سنة نبوية وعن واحد من أنجح أنظمة التمويل المستدام في التاريخ ووقف الشيخ الراجحي الذي نمى من 20 مليار خصصه للوقف إلى 70 مليار مع كثر ما ينفق منه على وجه الخير فلم نجد فيه ذلك الفساد في الحوكم ولو رجع د جميل إلى التجارب الناجحة للوقف لما ادرجه ضمن دائرة الاذعان الحيازي بل كان اضافه رائعة لدائرة الاذعان المتحد ووضعه هناك يسيء إلى الوقف .
· فلا يمكن الدفاع عن د جميل أكبر عندما يحيد عن الموضوعية والإنصاف ويتعرض لسنه مؤكده
فالحق يعلو ولا يعلى عليه:
هذا التصويب كان لا بد منه ولقد بينت التحيز والانتقائية في نقد ما ذكره الدكتور جميل أكبر في كتابه ، وأثبتَ أن الوقف نظام ناجح تاريخيا بحسن إدارته، وأن تاريخ الإسلام الطويل خير شاهد على ذلك، ووقف سيدنا عثمان رضي الله عنه خير دليل وكذلك وقف صبيح ومن جاء بعده في اشيقر أقوى دليل على حوكمة الوقف وقدرته التمويلية المستدامه من القرن الثامن إلى يومنا هذا.

فالوقف من شريعتنا الغراء، وهو باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وليس لأحد أن يطعن فيه بسبب تقصير بعض المنتسبين إليه.

 

 

 

 

 

 

 

 

تاريخ الاضافة : Sun 26 Oct 2025 عدد المشاهدات : 510 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب