أثر التحوّل نحو الرأسملة وتقليص البقالات الفردية على ضياع الأنسنة

فرحات الطاشكندي

أستاذ الإسكان المشارك ومخطط عمراني

 

في ظل التغيرات الاقتصادية والتنظيمية المتسارعة، يشهد التخطيط الحضري في بعض مدن المملكة توجهًا نحو تقليص البقالات والمخابز والكافيهات الفردية، واستبدالها بأنماط رأسمالية مركزية مثل السوبرماركتات الكبرى والمولات. ومع أن هذه التوجهات قد تبدو تنظيمية واقتصادية من حيث الشكل، فإن أثرها العميق يمس جوهر الحياة الحضرية والأنسنة.
الرأسملة وضياع الأنسنة. إن الرأسملة المفرطة للأنشطة التجارية، والتي تعتمد على الاحتكار والتجميع في مساحات ضخمة خارج نطاق المشي اليومي، تُقصي البائع الصغير، وتُجرد الحي من تنوعه الحيوي ومفاجآته اليومية. فالبقالة الصغيرة، والمخبز المحلي، والكشك الزاوي، ليست مجرد خدمات، بل هي أدوات نسج العلاقات الاجتماعية، ومحفزات على الحركة، ومولدات للأمان الطبيعي.

التجربة الأمريكية وأحياء النوم
لقد سبقت بعض الدول الغربية في هذا المسار، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، حيث أدى فصل الأنشطة التجارية عن السكنية، وتجميعها في مراكز ضخمة، إلى نشوء ما يُعرف بـ”أحياء النوم” – وهي أحياء سكنية هادئة ظاهريًا، لكنها خالية من الحيوية، ومفتقرة للأنشطة المحلية، وتعتمد كليًا على السيارة. وكانت النتيجة:

– عزلة اجتماعية.
– ضعف الترابط المجتمعي.
– ارتفاع نسب الجريمة.
– تلاشي الهوية المحلية.

🔷 الحاجة إلى الحي النشط المتنوع
إن مستقبل التخطيط في المملكة، بما يحمله من طموحات “جودة الحياة” و”أنسنة المدن”، لا يمكن أن يُبنى على منطق التجميع الرأسمالي وحده. بل لابد من:

– دعم البقالات والكافيهات والمخابز الصغيرة على مسافات مشي لا تتجاوز 7 إلى 15 دقيقة ومرتبطه بالمساجد المحليه .
– تيسير التراخيص وتخفيف الاشتراطات الفنية التي قد تُعيق انتشار الأنشطة الصغيرة.
– تنويع الوظائف داخل الحي الواحد ليعمل ويعيش ويستهلك فيه السكان دون الحاجة للخروج الدائم.
– إحياء دور الساحات الصغيرة والزوايا التجارية كعناصر تصميمية جوهرية في المخططات الجديدة.

 

ربطه بمباديء العمارة السلمانية
ومن المهم التأكيد أن من متطلبات العمارة السلمانية تعزيز النسيج الاجتماعي والبيئة المتكاملة داخل الحي، مما يجعل دعم الأنشطة المحلية الصغيرة منسجمًا مع مبادئ ميثاق الملك سلمان العمراني، الذي يدعو إلى خلق بيئات إنسانية نابضة بالحياة، ومتنوعة في الاستخدام، ومحفّزة على التفاعل الاجتماعي. اذا الحي الناجح ليس مجرد مبانٍ جيدة التخطيط، بل هو نسيج حي متفاعل. والرأسملة حين تطغى دون توازن، قد تقتل هذا التفاعل. إن الحفاظ على الأنشطة الصغيرة والمنتثرة داخل الحي هو مفتاح الاستدامة الاجتماعية والحضرية.

ولهذا فإن التوجه نحو تقليص هذه الأنشطة واستبدالها بمراكز تسوق ضخمة ليس فقط قرارًا تنظيميًا، بل هو مسار يؤدي إلى تفكيك روح الحي وتهميش الإنسان.

 

 

 

تاريخ الاضافة : Sat 6 Sep 2025 عدد المشاهدات : 568 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب