إخفاق الجائزة… وانتصار القيم

فرحات طاشكندي

أستاذ الإسكان والتخطيط العمراني

 

 

ليس غريبًا أن تُحجب جائزة الإبداع المعماري عن السعوديين مرةً بعد مرة، فالمسألة أعمق من مجرد منافسة أو لجنة تحكيم. الأمر يتجاوز الشروط الضيقة والهوية الأكاديمية التي رفعت سقف التوقعات حتى فاتها أن ترى جمال الممارسة الحقيقية على الأرض.

المعماري السعودي، في أعماقه، ابن بيئةٍ تربّى على الحياء والتواضع. لا يطرق أبواب الجوائز كما يفعل غيره، ولا يسوّق نفسه بجرأة، لأنه يرى أن الإبداع يشهد له، لا أن يشهد هو لنفسه. في ذاكرته أحاديث المصطفى ﷺ: «لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها». تلك الكلمات نُقشت في ضميره الجمعي، فأصبح العزوف عن طلب المناصب أو التنافس على الألقاب سلوكًا طبيعيًا، لا نقصًا في الثقة ولا ضعفًا في العطاء.

الغرب المادي جعل من إبراز الذات جزءًا من الديمقراطية الحديثة، بينما في السعودية ظل المعماري يوقن أن التواضع رفعة، وأن الكرامة في أن يُعترف بعمله لا أن يُسارع هو بتقديم نفسه.

هنا تتجلى العمارة السلمانية، التي لا تبحث عن الجوائز بقدر ما تبث القيم الحميدة في العمران وتطلب استمراريتها. فهي تعلّمنا أن قيمة المعمار ليست في منصة تكريم، بل في بصمة تبقى مع الأجيال، في حيٍّ يسكنه الإنسان بكرامة، وفي مدينة تحفظ روحها ولا تفقد هويتها.

إن حجب الجائزة ليس إخفاقًا للمعماريين السعوديين، بل هو مرآة تُظهر الفجوة بين قيمنا الأصيلة ومعايير الآخرين. أما الإبداع الحقيقي، فقد سكن منذ زمن بعيد في جداريات مدننا، وفي روح عمارتنا، وفي كل جهد صادق بُني على أرض هذا الوطن.

 

هذا المقال له علاقة بمقال “الابداع المعماري بين الاعتراف والانكار” ،، للإطلاع عليه يُمكن الضغط هنا …

تاريخ الاضافة : Fri 26 Sep 2025 عدد المشاهدات : 483 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب