التراث الموازي في العمارة القومية ومقارنته بالعمارة السلمانية

فرحات الطاشكندي

 

انتقل خطاب الهوية وأزمة فقدانها، كما ظهر في الفكر القومي العربي، من حقل السياسة والأدب إلى مجال العمارة والعمران. وكما أعاد القوميون العرب صياغة اللغة والتاريخ في صورة تراث موازي بديل عن الأصل الإسلامي، حاولوا أيضًا أن يجدوا للعمارة والعمران هوية جديدة تُجسّد مشروعهم. وهكذا ظهرت محاولات بناء تراث عمراني موازي يعكس الأيديولوجيا القومية أكثر مما يعكس الامتداد الحضاري الأصيل.

أولًا: من فقدان الهوية إلى البحث عن عمارة بديلة
مع سقوط الدولة العثمانية، شاعت فكرة أن الأمة فقدت هويتها الجامعة.
القوميون اعتبروا أن العمارة الإسلامية جزء من تلك الهوية المرتبطة بالدين، وبالتالي سعوا لإيجاد بديل قومي.
أصبح السؤال: كيف نصنع عمارة تعبّر عن الأمة العربية الجديدة، لا عن ماضيها الإسلامي فقط؟

ثانيًا: ملامح التراث الموازي في العمارة

1. تفكيك الخصوصية الإسلامية:
لم يستهدف القوميون العناصر المعمارية بل استهدفوا الخصوصية الإسلامية (وضفت المضامين الاسلاميه المضامين الإسلامية هي المفاهيم الأساسية، والمبادئ، والمعاني، والمحتوى العميق الذي تحمله النصوص الإسلامية، مثل القرآن والسنة، والتي تهدف إلى بناء شخصية المسلم وترسيخ القيم والأخلاق الحميدة لديه. تشمل هذه المضامين جوانب متعددة مثل العقيدة، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، وتعتبر أساسًا لتربية الإنسان وتوجيه سلوكه نحو الخير والصلاح وبناء مجتمع صالح.
وتم التعامل مع عمارة المسلمين كمرحلة عابرة، وليست كهوية حضارية متجذرة.

2. الحداثة بوصفها لغة جديدة:
القبول بالعمارة الغربية الحديثة، ولكن مع محاولة تزيينها برموز قومية.
بناء مبانٍ حكومية حداثية في الشكل، لكن رمزيتها قومية في المعنى.

ثالثًا: المدينة كمرآة للهوية القومية
المسجد، الذي كان قلب المدينة الإسلامية، لم يعد هو المركز في كثير من المدن ذات الطابع القومي.
استُبدل به الميدان القومي أو النُصب التذكاري أو ساحة الاحتفال.
وبهذا، أصبحت المدينة تعكس خطاب القومية أكثر من كونها استمرارًا للمدينة الإسلامية التقليدية.

رابعًا: الأمثلة التطبيقية
ميادين القاهرة ودمشق وبغداد: أعيد تشكيلها لتكون مساحات قومية كبرى (ميدان التحرير، ساحة الأمويين).
النُصب والتماثيل: أقيمت لتخليد رموز قومية أو زعماء سياسيين، بدلًا من الرموز الدينية أو العلمية.
المباني الحكومية: صُممت على النمط الحداثي الغربي لكن زُيّنت بواجهات قومية لتأكيد هوية الدولة الحديثة.

خامسًا: المقارنة مع العمارة السلمانية
بينما سعت العمارة القومية إلى صناعة تراث موازٍ يقوم على رموز انتقائية واستعارات شكلية، جاءت العمارة السلمانية كاستجابة أصيلة لجدل الهوية.

الفرق الجوهري:
العمارة القومية: هوية مصطنعة، قائمة على تهميش الخصوصية الإسلامية، واستدعاء رموز بديلة مع تبنّي أدوات الحداثة الغربية.

العمارة السلمانية: هوية أصيلة، انطلقت من التأثيل (فرز الأصيل من الموروث)، والتأصيل (ترسيخ القيم الإسلامية والإنسانية الأصيلة)، والترسيس (تحويلها إلى معايير تنظيمية عبر ميثاق الملك سلمان العمراني).

فالعمارة السلمانية لم تعتبر الهوية الإسلامية عائقًا، بل رافعة للتجديد، فجمعت بين الأصالة والحداثة دون افتعال بدائل أو تراث موازي.

إن إسقاط خطاب فقدان الهوية على العمارة والعمران أنتج تراثًا موازيًا قوميًا لم يكن امتدادًا طبيعيًا للعمارة المسلمين، بل كان انعكاسًا لأيديولوجيا سياسية. في المقابل، جاءت العمارة السلمانية لتقدّم بديلًا أصيلًا وواعيًا، يوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويثبت أن الهوية ليست مفقودة بل قابلة للتجديد المستمر.

 

 

تاريخ الاضافة : Mon 15 Sep 2025 عدد المشاهدات : 582 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب