بين ذاكرة المكان ووعي الزمان: دعوة لتحرير الهوية من أسر الماضي

فرحات الطاشكندي
أستاذ الإسكان المشارك – مخطط عمراني

 

كثُر في السنوات الأخيرة تداول مصطلح “ذاكرة المكان” في الخطاب المعماري والعمراني، حتى كاد يتحوّل إلى شعار يُستدعى في كل مشروع، ويُفرض كوصاية على كل محاولة للتجديد. ومع أن حفظ الذاكرة أمر له قيمته، إلا أن الإفراط فيه قد يؤدي إلى تجميد الفكر وتقييد المستقبل.

المسلم ووعي الزمان:
وعي الزمان هو القدرة على إدراك الوقت وتقديره، وفهم العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. وإنه ليس مجرد إحساس بمرور الساعات والدقائق، بل هو فهم أعمق لكيفية تنظيم حياة الإنسان وتحديد أولوياته وتوزيع مهامه، مع الأخذ في الاعتبار تأثير الوقت على جودة الحياة.
يساهم الوعي بالوقت في تحسين جودة الحياة بشكل عام، من خلال الاستفادة القصوى من الوقت المتاح وتحقيق التوازن بين جوانب الحياة المختلفة.

في المنهج الإسلامي، الزمن وعيٌ وعبادة، لا نوستالجيا وحنين. فقد قال ﷺ: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”. والنصوص تدعونا إلى العيش في الحاضر بوعي، والعمل للمستقبل ببصيرة، لا الانكفاء على الماضي بشكله وقوالبه.

 

ذاكرة المكان: من وسيلة إلى عائق؟
إن ذاكرة المكان ليست نصًا مقدسًا، بل هي سجل تاريخي متغير. وحين تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الماضي كما هو، دون نظر إلى السياق الزمني والاجتماعي المتغير، فإنها تفقد وظيفتها كمصدر إلهام، وتتحوّل إلى قيدٍ ثقافي ونفسي.
فمن غير المعقول أن نُطالب ببناء القباب والمشربيات والفناءات لمجرد أنها كانت موجودة، دون تفكير في وظيفتها أو جدواها اليوم.

 

العمارة السلمانية ووعي الزمان:
في ميثاق الملك سلمان العمراني، تم التأكيد على أن الهوية لا تُستعاد بتقليد الماضي، بل تُبنى من خلال فهم القيم وتحويلها إلى حلول معاصرة. وهذا هو الفرق الجوهري بين من يعيش ذاكرة المكان، ومن يُفعّل وعي الزمان.

 

الهوية الحقيقية:
الهوية ليست تكرارًا، بل إضافة واعية. وهي لا تنشأ من الحنين، بل من الفهم العميق للمتغير والثابت. وكم من شعوب تمسّكت بماضيها الرمزي فانطفأت، بينما ازدهرت أخرى حين أدركت أن أصالة الفكر أهم من تقليد الشكل.

وقد عبّر العالِم والفيلسوف المسلم عمر الخيام عن هذا المعنى في موقفه من التعلّق بالماضي والقلق من الغد، حين قال:

 لا تشـــغل الـبال بماضى الزمان
 ولا بـــــآت العيش قبل الأوان
 واغنم من الحــاضـر لـذاته
 فلـــيس فى طبع الليالى الأمان
 غدٌ بظـــهر الغـــيب واليومُ لي
 وكم يخيب الظـن في المقــــبل

ثم يقرر الحكمة النهائية بقوله:

 لا توحش النــــفس بخوف الظنون
 واغنم من الحاضر أمن اليقين
 فقد تســـاوى في الثرى راحلٌ غداً
 وماضٍ من ألوف الســنين

فهذه دعوة إلى تبني خطاب معماري يُحرّر الهوية من أسر الرموز الشكلية، ويُفعّل حضور القيم. فبدل أن نُعلّق مشاريعنا على شماعة “ذاكرة المكان”، فلنُفعّل أدوات الوعي الحضاري والزمني، ولنُنشئ بيئات جديدة تحفظ القيمة وتخاطب الإنسان المعاصر في آنٍ واحد

 

 

 

تاريخ الاضافة : Sat 6 Sep 2025 عدد المشاهدات : 628 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب