صالح الهذلول وفقه العمران

من نقد التشريع الحديث إلى استعادة منطق المدينة العربية

فرحات الطاشكندي

 

إذا كان بعض المعماريين العرب قد انشغلوا بإعادة قراءة الشكل العمراني التقليدي، فإن إسهام استاذي الاستاذ الدكتور صالح الهذلول Saleh Al-Hathloul جاء في مستوى أعمق وأكثر تأسيساً؛ إذ أعاد فتح السؤال حول العلاقة بين “التشريع” و”تكوين المدينة”، وكيف أن الأنظمة والقوانين الحديثة أسهمت – دون وعي – في تفكيك البنية العضوية للمدينة العربية والإسلامية.

ويُعد كتابه حول المدينة العربية الإسلامية من أهم الإضافات النوعية للمكتبة العربية والإسلامية في مجال فقه العمران والنقد الحضري؛ لأنه لم يتعامل مع المدينة التقليدية باعتبارها مجرد تراث بصري أو حنين تاريخي، بل باعتبارها نتاجاً مباشراً لمنظومة تشريعية واجتماعية وثقافية متكاملة.
والكتاب في أصله رسالة دكتوراه أنجزها الهذلول في مطلع الثمانينيات الميلادية، بعد مسيرته الأكاديمية التي بدأت بالحصول على درجة الماجستير من جامعة هارفارد العريقه Harvard University، ثم استكمال دراسته البحثية في ام اي تي Massachusetts Institute of Technology عام 1981.
ورغم القيمة التأسيسية المبكرة لهذه الرسالة، فإنها لم تنل ما تستحقه من الاهتمام النقدي والمراجعة العلمية عند صدورها، قبل أن يعيد المؤلف ترجمتها ونشرها في منتصف التسعينيات، ثم تصدر طبعة أخرى عام 2010.
تكمن أهمية الهذلول في أنه نقل النقاش العمراني العربي من مستوى “الأشكال المعمارية” إلى مستوى “المنطق التشريعي الذي يصنع العمران”.
فقد بيّن كيف أن المدينة العربية التقليدية لم تتشكل عبر مخططات عشوائيه ، بل عبر منظومة من الأعراف والحقوق الشرعية والاجتماعية؛ مثل:
حق الارتفاق، والتدرج بين العام والخاص، ومرونة التملك،واحترام الخصوصية، والتوازن بين الفرد والجماعة.
ومن هنا فهم الهذلول أن الخلل الذي أصاب المدن العربية الحديثة لم يكن مجرد خلل تصميمي، بل نتيجة نقل تشريعات تخطيطية غربية جامدة إلى بيئات مختلفة جذرياً في ثقافتها الاجتماعية والمناخية والاقتصادية.
ولهذا، عندما تولى موقعه كوكيل لوزارة الشؤون البلدية والقروية لتخطيط المدن، لم يكتفِ بالتنظير الأكاديمي، بل حاول ترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع إصلاح عمراني واقعية داخل مدينة الرياض.
وقد أدرك مبكراً أن كثيراً من التشوهات العمرانية التي ظهرت في الرياض لم تكن ناتجة عن رؤية المخطط العمراني دوكسياديس Constantinos Doxiadis الأصلية نفسها، بل عن سوء فهمها وتطبيقها بطريقة اختزلت “القرية العمرانية” إلى مجرد تقسيمات جامدة وشوارع منفصلة عن الحياة الاجتماعية.
ومن هنا طرح مشروعين تاريخيين يُعدان من المحطات المفصلية في تطور تخطيط الرياض المعاصر:
الأول: إعداد مخططين نموذجيين يعكسان الفهم الحقيقي لرؤية دوكسياديس للقرى العمرانية (المربعات التخطيطية بمساحة تقارب 4 كم²)، بحيث تصبح هذه النماذج مرجعاً لبقية أحياء الرياض المستقبلية.
ولهذا عهد بالمشروع في بدايه الثمانيات إلى مكتبين مثّلا تيارين متكاملين في الفكر العمراني السعودي:
مكتب “البيئة” بقيادة Ali Al-Shuaibi، ومكتب “النعيم للاستشارات العمرانية” بقيادة فرحات الطاشكندي.
أما المشروع الثاني في نفس الفترة فكان أكثر جرأة؛ إذ استهدف “إعادة تأهيل” الأحياء التي نُفذت بالفعل داخل مربعات دوكسياديس بعد ظهور آثار التفكك العمراني والاجتماعي فيها.
وقد اختير حي النزهة Al Nuzha District نموذجاً لهذه التجربة، وأسند المشروع إلى مكتب “النعيم للاستشارات العمرانية” بقيادة فرحات الطاشكندي و فريق المكتب، في محاولة لإعادة بناء العلاقات الإنسانية والحركية داخل الحي، لا مجرد تحسين شكله البصري.
وهنا تظهر عبقرية البرفسور الهذلول؛ إذ كان من أوائل من فهموا أن أزمة المدينة الحديثة ليست في “الطراز”، بل في فقدان العلاقات العضوية التي كانت تربط المسجد والسوق والشارع والسكن والحركة ضمن منظومة متكاملة وهو ما نجح في تحقيقه المعماري والمخطط علي الشعيبي واستحق عليه جائز الاغا خان العالميه في تطوير التصميمالعمرانيللمنطقةالمركزيه لحي السفارات.
ولم يقتصر دوره على التخطيط والإدارة، بل امتد إلى البحث والنقد والتدريس والتحكيم المعماري على المستوى العربي والإسلامي.
فقد أصبح مرجعاً علمياً في فقه العمران العربي والإسلامي، وشارك في لجان تحكيم دولية مرموقة، منها Aga Khan Award for Architecture، إلى جانب مشاركاته في تحكيم “جائزة منظمة المدن العربية” و”جائزة مجلس وزراء الإسكان العرب”.
كما لعب دوراً محورياً في نشر الوعي العمراني من خلال محاضراته وأعماله الأكاديمية وزياراته العلمية في عدد من الدول العربية والإسلامية، حتى أصبح اسمه مرجعاً في النقد العمراني والتخطيط الحضري وإدارة المدينة العربية المعاصرة.
وفي هذا المعنى، يمكن اعتبار صالح الهذلول أحد أوائل من أعادوا تأسيس “فقه العمران” المعاصر بوصفه علماً يربط:
التشريع بالتخطيط، والثقافة بالمدينة، والعلاقات الاجتماعية
بالشكل العمراني، والهوية بالبنية التنظيمية للحياة اليومية.
ولهذا لم يكن مشروعه مجرد دفاع عن التراث، بل محاولة لإعادة اكتشاف “القوانين الحضارية” التي صنعت تماسك المدينة العربية، وكيف يمكن استعادتها داخل شروط العصر الحديث دون الوقوع في التقليد الشكلي أو الانبهار الأعمى بالنموذج الغربي.

 

 

 

 

تاريخ الاضافة : Sat 30 May 2026 عدد المشاهدات : 68 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب