مدارج اليقين عند ابن القيم وقراءتها في العمارة السلمانية

فرحات الطاشكندي

 

طرح ابن القيم في «مدارج السالكين» مراتب اليقين الثلاث: علم اليقين، عين اليقين، وحق اليقين. ويمكن أن تُقرأ هذه المراتب كمدخل لفهم العمارة السلمانية، التي جمعت بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثوابت والمتغيرات. فالعمارة السلمانية ليست مجرد إطار شكلي، بل تجربة متدرجة من المعرفة إلى المشاهدة إلى التحقيق، تتكامل فيها القيم مع الواقع المعاش.

أولًا: علم اليقين – المبادئ المرجعية
يمثل علم اليقين في العمارة السلمانية المستوى النظري القائم على المبادئ المرجعية التي وضعتها، والتي تُعتبر بمثابة «الميثاق» الذي يوجّه المعماريين والمخططين. هذه المبادئ تشمل احترام الإنسان واحتياجاته، الانتماء للمكان والزمان، المحافظة على الأصالة، والانفتاح على معطيات العصر. فهي المعرفة التي تُدرك بالعقل والدراسة، قبل أن تتحول إلى مشهد معماري ملموس.
مثال: الاطلاع على ميثاق الملك سلمان العمراني باعتباره إطارًا نظريًا موجّهًا للعمارة في المملكة.

ثانيًا: عين اليقين – التجربة الميدانية
يتحقق عين اليقين حين تنتقل هذه المبادئ من النصوص والوثائق إلى الواقع الملموس. في العمارة السلمانية، يظهر ذلك في المشاريع العمرانية التي يمكن مشاهدتها ومعايشتها، مثل حي السفارات بالرياض و حي الملك سلمان (الواحة) أو مخطط العلياء في المدينة المنورة. هذه التجارب تكشف كيف تتجسد المبادئ في الفضاء العمراني، وكيف يختبرها الإنسان من خلال الضوء والظل، المشي في الشوارع المظللة، والتفاعل مع الفضاءات العامة.
إنها مرتبة المشاهدة، حيث تتحول النظرية إلى تجربة حية تُدرك بالبصر والحواس.

ثالثًا: حق اليقين – التحقق الوجودي
حق اليقين هو أعمق المراتب، حيث تتجاوز العمارة حدود النظر والمعاينة لتصبح تجربة وجودية. في هذا المستوى، تصبح العمارة السلمانية جزءًا من وعي الإنسان وهويته، فتؤثر في وجدانه وسلوكه وتُعيد تشكيل علاقته بالمدينة. الأحياء السلمانية الموجهة للمشاة والشوارع المتجهة للقبلة والمساجد التي على الشوارع الشريانيه هو تعبير حي عن الانتماء الإسلامي الذي يُميّز المملكة العربية السعودية كقلب للعالم الإسلامي.
و كذلك الفراغات العامة التي تعزز التلاقي الإنساني، تغدو فضاءات تصنع ذاكرة فردية وجماعية. وهنا لا تعود العمارة مجرد جدران أو أشكال، بل معنى يُعاش ويتجذّر.
مثال: مسجد أو حي عاش فيه الإنسان سنوات من حياته حتى صار جزءًا من هويته وذاكرته.

اذا يمكن قراءة العمارة السلمانية من خلال مدارج اليقين الثلاث عند ابن القيم: فهي تبدأ من علم اليقين (المبادئ المرجعية)، وتنتقل إلى عين اليقين (المشاهدة والمعايشة في المشاريع العمرانية)، ثم تبلغ حق اليقين (التحقق الوجودي حيث يغدو المكان جزءًا من هوية الإنسان). وبذلك تثبت العمارة السلمانية أنها ليست مجرد إطار شكلي، بل هوية حيّة تجمع بين القيم الراسخة ومعطيات العصر، وتمنح الإنسان تجربة عمرانية متكاملة .

 

تاريخ الاضافة : Sat 6 Sep 2025 عدد المشاهدات : 543 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب