من الذوق المدرسي إلى الذوق الفطري

فرحات الطاشكندي

 

تأمل في تشكّل العقل المعماري

 

كنتُ في بداياتي من أصحاب الذوق النظري المدرَّب أكاديميًا.
لا أرى الجمال إلا في عمارة الحداثة، ولا أراه في المباني التقليدية أو التراثية.
لم يكن ذلك اختيارًا حرًّا بقدر ما كان نتيجة تدريبٍ طويل داخل قاعات الدراسة؛ فالعين ترى ما يُدرَّب عليها أن تراه.
بعد تخرجي من قسم العمارة، سافرت إلى بوسطن.
كنت أتجول بين المباني الحديثة فلا أبصر سواها، وأمارس العمارة كما تدرّبت عليها في الكلية.
لكن التحول الحقيقي بدأ لاحقًا، حين زرت باريس، ووقفت أمام عمارتها الكلاسيكية.
هناك نزعتُ — دون وعي — النظارة التي ألبستني إياها المدرسة،
وبدأت أرى الأشياء مجرّدة من الأحكام المسبقة.
رجعتُ إلى فطرتي… إلى الذوق الذي وُلدت به قبل أن يُؤطر بالنظريات.
وقد أفادتني نصيحة عميقة:
كن كالنحلة التي تطوف بالحدائق والحقول، تتغذّى على رحيق الأزهار وسكّر الثمار، ثم تعود بالعسل.
فالتعصّب لأسلوب معماري واحد يشبه قول فرعون:
ما أريكم إلا ما أرى
ومن هنا بدأت رحلة تأصيل داخلي:
الرجوع من العقل المُكتسب إلى العقل الفطري، لتذوّق الجمال لذاته، لا عبر وسائط أيديولوجية.

العقل الفطري والعقل المكتسب
أشار الجاحظ إلى تمييز عميق بين عقلين:
عقل فطري يولد مع الإنسان، وعقل مكتسب يتشكّل بالتجربة
والتعلم.
فالإنسان يولد بميل فطري إلى الجمال والتناغم، لكنه يصقل ذوقه بالتربية، ويتشكّل بالبيئة، ويُهذّب بالقراءة والفن.
ومن ينشأ في بيئة تقدّر الجمال، وتحترم الآخر، وتغذي الحس الفني، يكون أقدر على توسيع ذوقه لا تضييقه.
فالإنسان بفضيلة العقل يسمو نظره، ويميز بين الخير والشر، والحق والباطل، والجميل والقبيح.
ولهذا قيل:
اختيار الرجل وافد عقله، وقيل: بل مبلغ عقله، وقيل: دلّ على عاقل اختياره.
فالذوق في جوهره مرآة للذات.

تناول الفلاسفة مفهوم الذوق من زوايا متعددة.
فالحكم الجمالي ليس مجرد شعور، بل عملية تأملية تجمع الحس والعقل.
والذوق — رغم فردانيته — يحمل بُعدًا مشتركًا بين البشر،
إذ توجد مبادئ عامة يتوافق عليها الناس مثل التناسق والتوازن والبساطة.
وفي المقابل، يرى الحكماء أن الذوق يُهذَّب بالتجربة،
وأن اختلاف الأذواق لا ينفي وجود أرضية جمالية مشتركة.
أما الغزالي فربط الذوق بقوة الإدراك، فقال:
اللذة نوع إدراك، والإدراك يستدعي قوة مدركة، فمن لم تكمل قوة إدراكه لم يتصور منه التلذذ.
فكما لا يدرك لذة الألحان من فقد السمع، لا يدرك لذة المعاني من فقد صفاء الإدراك .
إذن، تذوّق الجمال مرتبط بترقية الوعي لا بتغيير الأشكال.

وفي هذا قال البويصري :
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم
وقال المتنبي :
ومن يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ … يجدْ مُرّا به الماءَ الزُّلالا !

مراحل تشكّل العقل المعماري:
1. العقل الفطري (البداية)
يدخل الطالب قسم العمارة بميل غريزي للجمال:
يميل إلى النسب المتوازنة، والمقياس الإنساني، والوضوح الفطري.
2. العقل المكتسب (التشكّل الأكاديمي)
هنا تبدأ الفطرة بالتحول إلى مذهب.
يتأثر الطالب بأستاذه ومدرسته:
طالب يرى الجمال في الفوضى، وآخر لا يراه إلا في الكلاسيكية.
ينشأ ما يمكن تسميته بالغرور الأكاديمي:
قدرة عالية على تبرير أي شيء نظريًا، مقابل تراجع الحكم الفطري.
3. الخراب الحكمي (الجمود المدرسي)
يصبح المتخرج يرى بعين أستاذه لا بعينه.
وهنا تتحقق مفارقة الجاحظ:
العقل الفطري يرى الجمال بلا تعلل، أما العقل المكتسب فقد يتعلل حتى يُفسد الفطرة.

النحلة كنموذج للعقل المعماري الناضج:
النحلة ليست مجرد استعارة بل منهج معرفي فهي تطوف بكل الحدائق (العصور والمدارس) و تمتص الرحيق من كل زهرة (الجمال حيث وُجد) ثم تعود إلى خليتها للتصفية (العقل الفطري يُمحّص) فتنتج عسلاً خالصًا (عمل يتجاوز المذاهب).

النحلة لا تتعصب لزهرة واحدة، بل تجمع من الجميع لتنتج ما هو أنقى من مصادره.
وهكذا ينبغي أن يكون المعماري:
يشرب من رحيق الحضارات، ثم يعود إلى فطرته الإنسانية، لينتج عمارة ترفع الحياة ولا تثقلها.

نحو عقل فطري مُكتسب
البديل الحقيقي ليس رفض التعلم، ولا تمجيد الفطرة الساذجة، بل الوصول إلى حالة أرقى:
عقل فطري مُكتسب.
عقل يمرّ بالتجربة، ويتعلم من المدارس، ثم يتحرر منها دون أن ينكر فضلها.
عقل يرى الجمال:
لا لأنه ينتمي إلى مذهب، بل لأنه جمال.

فالذوق المعماري ليس معركة بين القديم والحديث، ولا صراع مدارس، بل رحلة وعي.
نبدأ بفطرة نقية، نمرّ عبر تعقيد النظريات، ثم — إن نضجنا — نعود إلى البساطة الأولى، لكن بوعيٍ أعمق.
هناك فقط، نرى الجمال كما هو…
لا كما قيل لنا أن نراه.
فنحن كمسلمين لا ينبغي لنا الدخول في المعارك القائمه في العالم الغربي الذي اسقط الكنيسه ما بين صراع العماره الكلاسيكيه والحداثيه وما بعد الحداثيه والتفكيكيه

 

 

تاريخ الاضافة : Sun 15 Mar 2026 عدد المشاهدات : 246 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب