فيصل بن الفديع الشريف
المدينة نسيج معقد وعوالم متكاملة تحمل في تفاصيلها الصغيرة كل الصفات التي تعبر عن كثير من جوانب الحياة بما فيها من سهولة وصعوبة ومزايا وعيوب ومخاطر كامنة وفرص متناثرة ،، تُشكل في تشابهها وتباينها مصدر الجمال والرخاء والثراء وربما القبح والبؤس والشقاء. الا ان اكثر ما يبقى في الذاكرة يتمثل في تفاصيل المدن الكثيرة التي نمر عليها في حياتنا ونتوقف فيها مدة تقصر او تطول، لكنها تبقى على البال دائما، نردد قسوة التجربة او جمالها ونصف ما يعلق في الذهن من تفاصيل منعطفاتها، او التجارب التي مرت علينا فيها. والمدينة هي نحن، هي ساكنوها، هي المارون في طرقاتها وازقتها، وهي المستمتعون بحدائقها وارصفتها ومعالمها الجميلة الجذابة. المدينة هي الناس، شيوخا وشبابا واطفالا، يولدون بها ويعيشون فيها وينتمون اليها، ويظلون مهما بعدوا عنها يحنون اليها والى ذكرياتهم فيها. لكن الحديث هنا ليس عن المدينة، التي كُتبت عنها الكتب وقيلت فيها القصائد وتغنى بها المغنون. انما هي عن العنصر الرئيس الذي يجعل المدينة محبوبة او مكروهة، جميلة او قبيحة، مُريحة او متعبة، هذا العنصر الذي يمكن ان يجعل من بيروت عروسة المدائن او يجعلها مجمع الزبالة، انه إدارتها التي تقوم على تنظيمها وتخطيطها وتنسيق مكوناتها، هذا الجانب الهام في تكوين المدينة نجعله في الغالب آخر اهتماماتنا، وكأن المدينة يجب ان تكون جميلة لوحدها مرتبة من نفسها دون تدخل او عناية ودون تعيين من يقوم عليها ويهتم بها. وتقوم البلديات في اغلب دول العالم بمهمة إدارة المدينة، وتختلف هذه الممارسة من مدينة الى أخرى، وكذلك المسؤوليات والصلاحيات حسب تنظيم الدولة للقطاع البلدي. وموضوع الصلاحيات امر مهم، حيث بها تُخول البلديات بكل ما يتعلق بإدارة المدينة او اكثره او اقله، ويكون ذلك بسيطرتها على الخدمات كلها او بعضها، ومدى قدرتها على تنسيق احتياجات المدينة وما تتطلبه هذه الاحتياجات، وكيفية تنفيذها وطرق تشغيلها واستدامتها.
إن جودة الحياة في المدن أصبحت هاجسا دوليا تتسابق المدن على الوفاء بمعاييرها، ولا يُمكن ان يتحقق ذلك الا بالتخطيط والتنظيم اللذين يضمنان لسلطات إدارات المدن (البلديات) توفر الأدوات التي تمكنها من ذلك، من وضوح المسؤوليات وتوفر الصلاحيات وسن الأنظمة التي تساعد سلطات إدارة المدينة على تنسيق الاعمال واحترافية ادارتها. ويُعتبر تشتت مسؤولية توفير الخدمات واختلاف الجهات المسؤولة عن هذه الخدمات، من اصعب التحديات التي تواجه إدارات المدن. كما ان اختلاف مصادر اعتماد الاحتياجات والمتطلبات التي تسعى إدارة المدينة التي تحقيقها يجعل من تنفيذها امرا بالغ الصعوبة. هذا بالإضافة الى ما تواجهه المدن من توسعٍ غير محدد، وارتفاع نسبة النمو السكاني، وضعف مصادر الدخل التي يمكن من خلالها الصرف على متطلبات المدينة وما تتطلبه إدارتها بشكل صحيح.
للإطلاع على المقال بصيغة بي دي اف ،، فضلا إضغط هنا ..
اترك تعليقاً