السعي للمعرفة

د. فيصل بن الفديع الشريف

 

نعيش اليوم في عصر يشهد تطورًا غير مسبوق في وسائل التعلم واكتساب المعرفة. ففي الماضي كان طالب العلم يقطع المسافات الطويلة، وربما يسافر بين المدن والدول، ليحصل على كتاب أو يحضر درسًا عند عالم أو معلم. أما اليوم فقد أصبحت المعرفة متاحة بصورة لم يعرفها أي عصر من العصور السابقة. فبضغطة زر يمكن الوصول إلى آلاف الكتب، والمحاضرات، والدورات العلمية، والمكتبات الرقمية، والمنصات التعليمية العالمية في مختلف التخصصات والمعارف.

لقد غيّرت التقنية مفهوم التعلم بشكل جذري، فلم يعد التعليم محصورًا داخل القاعات الدراسية فقط، بل أصبح التعلم ممكنًا في كل وقت ومن أي مكان. يستطيع الطالب أن يتعلم عبر هاتفه المحمول، أو جهازه الشخصي، أو من خلال المحاضرات المسجلة، أو حتى عبر دقائق قصيرة يقضيها في متابعة محتوى علمي نافع. وأصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى، حتى إن كثيرًا من الجامعات العالمية والمؤسسات العلمية الكبرى أصبحت تقدم محتواها مجانًا أو بتكاليف بسيطة جدًا.

ومع هذا الانفتاح المعرفي الكبير، يبقى السؤال الأهم: هل كل من توفرت له وسائل التعلم يصبح متعلمًا فعلًا؟ الحقيقة أن التقنية وحدها لا تصنع النجاح، بل إن العنصر الحاسم هو الدافع الداخلي والرغبة الحقيقية في التعلم. وهنا يحضر المثل الشهير الذي يقول انه “يمكنك أن تُحضر الحصان إلى البحيرة، لكنك لا تستطيع أن تجبره على الشرب”. وهذا المثل يعبّر بدرجة كبيرة عن واقع التعليم والعمل الأكاديمي؛ فالأستاذ يستطيع أن يشرح ويوجه ويوفر المصادر ويهيئ الفرص، لكن لا يمكنه أن يزرع الرغبة في نفس الطالب إن لم تكن موجودة أصلًا.

إن الطالب الناجح هو من يدرك أن التعلم مسؤولية شخصية قبل أن يكون واجبًا دراسيًا. فالمعرفة لا تأتي لمن ينتظرها دون جهد، وإنما لمن يضع أهدافًا واضحة، ويسعى لتحقيقها بجدية وانضباط واهتمام. وكثير من الطلاب يمتلكون اليوم أدوات تعليمية هائلة، لكنهم لا يستفيدون منها بالشكل المطلوب بسبب ضعف التنظيم أو الانشغال بما لا يفيد أو غياب الهدف الواضح.

ولو تأمل الإنسان قليلًا في الوقت الذي يهدره يوميًا، لأدرك أنه قادر على اكتساب معرفة كبيرة خلال أشهر قليلة فقط. فساعة واحدة يوميًا من القراءة، أو تعلم مهارة جديدة، أو متابعة محتوى علمي مفيد، كفيلة مع الوقت بإحداث فرق حقيقي في شخصية الإنسان ومستقبله. فالمعرفة لا تُبنى بالقفزات المفاجئة، بل بالتراكم المستمر والانضباط اليومي.

لقد وفرت لنا التقنية فرصًا تعليمية لم تتح لأحد من قبل، ويجب علينا استغلال هذا التدفق المعرفي الهائل لنتعلم ونطور من انفسنا معرفيا ومهاريا. فالإنسان تُقاس قيمته بما يعرف، وبما يستطيع أن يقدمه من علم وفكر ومهارة. ولذلك فإن أفضل استثمار يمكن أن يقدمه الإنسان لنفسه هو استثمار وقته في التعلم، لأن العلم يبقى الثروة الحقيقية التي لا يفقدها الإنسان مهما تغيرت الظروف.

 

مقال نُشر في جريدة إشراقة التي تصدرها كليات الشرق العربي، العدد 81، الصادر في الاول من ذو الحجة 1447هـ، الموافق 18 مايو 2026.

 

للإطلاع على كامل العدد 81 من إشراقة .. إضغط هنا ..

 

 

 

 

 

تاريخ الاضافة : Mon 18 May 2026 عدد المشاهدات : 208 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب