وخير جليس في الزمان كتاب

د. فيصل بن الفديع الشريف

 

تحدثت الكثير من الدراسات عن ضعف مهارات الكتابة لدى صغار السن، وعن تزايد هذه الظاهرة. فهل الامر متعلق بالتربية الكتابية كما ذكر المنفلوطي، ام بطرق التعليم الحديث وخصوصا في المراحل التعليمية الأولى، ام ان الامر بإنشغال الطلاب بالتقنيات الالكترونية والملهيات الكثيرة التي تستهلك اوقاتهم، جعلهم اقل قدرة على الكتابة، فقد أشار التقرير العربي للتنمية المستدامة (2024) ان نحو 57% من الطلاب لم يحقق الحد الأدنى من مستويات الكفاءة في القراءة، ولعل الأسباب في هذا الامر كثيرة، وتحتاج الى مزيد من البحث والتقصي وتظافر الجهود لمعالجة هذه الظاهرة, لكن هناك سببا  ظاهرا واضحا يُمكن ان يبدأ به الجميع، وهو العلاقة بين ما نقرأ وما نكتب، ولهذا قيل انك ان قلت لي ماذا تقرأ، أقل لك من انت، وهو دليل على التأثير العجيب للقراءة على الكتابة. ذلك لأن القراءة هي مفتاح العلوم ومخزن المعارف، ولابد لمن يريد الإجادة في الكتابة ان يقرأ كثيرا وان يوطن النفس على حب القراءة. يُذكر ان عباس العقاد كان يقول ان القراءة وحدها تعطي الانسان اكثر من حياة، لأنها تزيد حياته عمقا. وقد ذكر ستيفن كينغ Stephen King ان القراءة المكثفة تلعب دورا في تحسين الكتابة، وان الكتاب الجيدين يجب ان يكونوا قراء نهمين. اما آن لامورت فقد شددت في كتابها Bird by Bird: Some instruction on writing and life على أهمية القراءة العميقة كجزء من تطوير أسلوب الكتابة والابداع.

ان القراءة ليست مجرد هواية، بل هي أداة أساسية لتحسين مهارة الكتابة. عندما نقرأ، نتعرض لمجموعة واسعة من الأساليب اللغوية، والأفكار، والنماذج السردية. هذا التنوع يغذي خيالنا ويفتح أمامنا آفاقًا جديدة. فكل كتاب نقرأه يضيف لبنة جديدة إلى أساس قدراتنا الكتابية. كما ان القراءة تعزز من تطوير المفردات؛ فعندما نواجه كلمات جديدة، نتعلم كيفية استخدامها في السياقات المختلفة، مما يثري كتاباتنا. الكتابة تتطلب التعبير عن الأفكار بوضوح، والقدرة على استخدام لغة غنية ودقيقة. القراءة تساعدنا في تحقيق ذلك، حيث نكتسب من خلالها ليس فقط المعرفة، بل أيضًا الأسلوب. والقراءة تعلمنا كيف نحلل النصوص، وننقدها، ونفهم ما يجعل النصوص فعّالة أو ضعيفة، وهذا الوعي يمكن أن ينقل إلى كتاباتنا الخاصة ويطورها ويجنبنا الأخطاء ويجعلها اكثر تأثيرا.

إحدى المبادرات الرائعة التي تبرز أهمية القراءة هي “تحدي القراءة العربي” الذي يقام سنويًا في دبي. هذا التحدي يشجع الطلاب على قراءة عدد معين من الكتب في فترة زمنية محددة، ويتضمن جوائز قيمة وتحفيزات كبيرة. من خلال هذا التحدي، لا يكتسب المشاركون مهارات القراءة فقط، بل يتعلمون أيضًا كيفية التعبير عن أنفسهم بوضوح وثقة. هذا التحدي يشجع الطلاب على مناقشة الكتب التي قرأوها، مما يعزز مهارات الحديث وسلامة اللغة. عندما يتحدث الطلاب عن ما قرأوه، يتعلمون كيفية تنظيم أفكارهم، واستخدام لغة صحيحة ومناسبة، مما يساهم في تطوير مهاراتهم الكتابية بشكل غير مباشر.

نعود لنؤكد ان العلاقة بين القراءة والكتابة هي علاقة تفاعلية. كلما قرأنا أكثر، أصبحنا كتابًا أفضل. لذا علينا ان كنا نريد ان نكتب بشكل متميز، ان نقرأ بتمعن ودراية وتفكر، حينها سنعرف اكثر وسنكتب افضل، وفي القرآن الكريم خير توجيه  (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ).

 

مقال نُشر في جريدة اشراقة التي تصدرها كليات الشرق العربي. العدد 69 الصادر غرة شوال 1446 الموافق غرة شوال 1446هـ.

 

للإطلاع على العدد كاملا ،، آمل الضغط هنا ..

 

تاريخ الاضافة : Thu 27 Mar 2025 عدد المشاهدات : 73 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

code

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب