العريجاء

فرحات الطاشكندي

القصة التاريخية لتحوّل الشوارع والأراضي السكنية إلى أراضٍ تجارية في مدينة الرياض

 

​يُعد تاريخ التخطيط العمراني في المملكة العربية السعودية ساحة لنزاع فكري وعملي عميق بين النماذج الغربية الجامدة التي تعزل الأنشطة، وبين مرونة “الأشرطة التجارية” التي تتوافق مع هوية وثقافة إنسان المكان.

​وفي هذا السياق، تبرز حقائق تاريخية هامة تنصف المخطط التوجيهي الأول لمدينة الرياض (عام 1971م) الذي وضعه الاستشاري اليوناني دوكسيادس (Doxiadis)، وتكشف كيف أخلّت القرارات اللاحقة لمكتب التخطيط بالأمانة (مثل مخطط حي العريجاء) بهذا الإرث، ممّا قلب المعادلة العمرانية للمدينة رأساً على عقب.

​أولاً: مقارنة بين النموذجين العمرانيين في فلسفة التجارة
​لإدراك أبعاد التحول، يجب تفكيك الفلسفة التشغيلية لكلا النظامين:
​1. التخطيط الأمريكي (نموذج المراكز المعزولة – مثل حي الفناتير بالجبيل)
​الفكرة: يعتمد على فرز الاستعمالات الصارم (Strict Zoning)؛ حيث تُجمع المحلات في “مركز حي” مغلق ومعزول في قلب المخطط، مع تخصيص مساحات تجارية محدودة جداً وجامدة داخل المناطق السكنية.
​التحدي (فشل النموذج): أثبتت تجربة حي الفناتير بالجبيل الصناعية (وهو الحي الذي خططته شركات أمريكية مثل “بكتيل” وفق فلسفة الضواحي الأمريكية المعزولة Zoning) يقدم دليلاً حياً وملموساً على أن نمط “المراكز المغلقة” يتحول إلى بيئة طاردة إذا عجز عن مجاراة حيوية السوق.

أن هذا النموذج يفتقر للمرونة ولا يستجيب للتوسع السريع، مما أدى إلى نقص التنوع التنافسي ومحدودية الخيارات. ونتيجة لذلك، هجر السكان المراكز الداخلية للحي واضطروا للتسوق في الجبيل القديمة، نظراً لعجز المراكز المغلقة عن تلبية احتياجاتهم المتجددة والمباشرة على الرصيف.

​2. التخطيط العربي (نموذج الشريط الممتد العضوي)
​الفكرة: امتداد المحلات والأنشطة كـ “أشرطة” مرنة على جانبي الشوارع الرئيسية المفتوحة.
​الميزة: الاستجابة الفورية لقوى السوق (العرض والطلب)، وسهولة الوصول، وتوفير تنوع تجاري هائل يلبي كافة متطلبات الأسرة في مكان واحد؛ وهو النمط الذي يفضله المستهلك العربي تاريخياً لمرونته وسرعة تلبية احتياجاته.

​ثانياً: عبقرية دوكسيادس في إحياء “الشريط العربي”
​على عكس ما يُشاع، لم يتبنّ دوكسيادس النموذج الأمريكي المعزول، بل فهم عبقرية السوق العربي وأحياها في مخططه التوجيهي للرياض عبر:

​شبكة الأشرطة الموجهة: صمم العصب والشريان التجاري الرئيسي الممتد من الشمال إلى الجنوب، وقاطعه بـ أشرطة تجارية ممتدة ومستمرة تخترق المخططات من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق (عبر محاور الشوارع الداخلية مثل الـ 36) لتربط الأحياء وتضمن انسيابية الخدمات.

​تشجيع حيوية الأحياء (الأنسنة): شجع دوكسيادس إمكانية تطوير الدكاكين والمحلات الخدمية داخل الحي على الشوارع الداخلية ذات العروض (15، 20، و30 متراً)، لكي تتكون الأحياء على شكل “قرى عمرانية متكاملة مكتملة الخدمات في الداخل”، تتيح للسكان قضاء حوائجهم مشياً على الأقدام دون ركوب السيارة.

​ثالثاً: الخطأ التخطيطي لمكتب الأمانة (نموذج حي العريجاء)
​الإنقلاب الحقيقي على فكر دوكسيادس لم يأتك منه، بل جاء من مكتب التخطيط بأمانة منطقة الرياض عند تخطيط وتنفيذ حي العريجاء (منح ذوي الدخل المحدود) كمخطط حكومي شامل؛ حيث تعطلت التنمية فيه بسبب الآتي:

​فخ المضاربة العقارية: وزعت الأمانة قطع أراضي المراكز التجارية كمنح للمواطنين، وبسبب غياب المطور واكتفاء الملاك بالمضاربة بها (البيع والشراء دون بناء)، بقيت أراضي الخدمات بيضاء معطلة لسنوات، وتحول الحي المأهول بالسكان إلى “حي نوم” مقفر.

​شكاوى المواطنين وتدخل ولاة الأمر: أمام هذا الشلل، تذمر السكان واشتكوا لولاة الأمر من غياب الخدمات واضطرارهم للخروج بالسيارة. وصدرت التوجيهات الكريمة بالموافقة على معالجة الأزمة وتغيير الاستعمال.

​قلب مخطط دوكسيادس رأساً على عقب:
قامت الأمانة بتنفيذ التوجيه بطريقة أخلّت بالبنية العمرانية؛ حيث سمحت بالأنشطة التجارية على أطراف ومحيط الحي وعلى الشوارع الناقلة الكبرى (عروض 40، 60، و80 متراً).

​رابعاً: الأثر التخطيطي السلبي للتحول المحلي
​هذا الحل الإسعافي من مكتب التخطيط بالأمانة أحدث تشوهاً استراتيجياً جرى تعميمه لاحقاً كسياسة رسمية في كامل الرياض:
​قتل الأنسنة والقرية العمرانية:

بدلاً من إبقاء التجاري في الشوارع الداخلية المأهولة (كالـ 36 والـ 20) كفلسفة دوكسيادس لتحقيق الأنسنة والمشي، رُحِّل التجاري للمحيط الخارجي، فدُمّر مفهوم “القرية العمرانية المغلقة داخلياً”، وأُجبر السكان تماماً على ركوب السيارة لقضاء أي حاجة.

​خنق الشرايين الناقلة:
الطرق الكبرى (40، 60، 80 متراً) التي صممها دوكسيادس لتكون محاور حركة حرة وسريعة ومحمية بحواجز خضراء، تحولت بسبب قرار الأمانة إلى شوارع تجارية شريطية عشوائية تعج بالمواقف والاختناقات .

إن تجربة حي العريجاء بالرياض و الفناتير بالجبيل تثبت أن الشريط التجاري الممتد والمنظم داخلياً (الذي اقترحه دوكسيادس على شوارع 15 و20 و36) هو الذي يضمن ازدهار الأسواق وأنسنة الحياة.

بينما قرارات مكتب التخطيط بالأمانة اللاحقة هي التي جعلت من دوكسيادس شماعة لأخطاء صنعت بأيدي مهندسي الامانه عندما نقلوا التجاري إلى الطرق الناقلة المحيطة (40 و60 و80)، وحرموا الأحياء من روحها العمرانية التفاعلية.

 

 

تاريخ الاضافة : Sat 11 Jul 2026 عدد المشاهدات : 14 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب