كيف وأدت البيروقراطية أول شارع مشاة في الرياض؟

فرحات الطاشكندي

تجربة لا نريد تكرارها

 

قبل نحو سبعة وثلاثين عاماً، وتحديداً عام 1411هـ، شهد حي الملز في الرياض تجربة عمرانية كانت تُعد آنذاك خطوة متقدمة نحو تحسين البيئة الحضرية، حين تم تحويل شارع المتنبي الذي لا يتجاوز عرضه 20 مترا إلى شارع مخصص للمشاة والعوائل.

كانت الفكرة في ظاهرها جميلة، لكن النتيجة جاءت معاكسة تماماً للتوقعات. فقد تراجعت الحركة التجارية، وهجر الزبائن السوق، وأغلقت العديد من الأنشطة أبوابها، حتى اضطرت الأمانة لاحقاً إلى إعادة فتح الشارع أمام السيارات. وهكذا انتهت أول تجربة لشارع مشاة في الرياض إلى فشل ذريع.

المشكلة لم تكن في المشي، ولا في الأنسنة، ولا في تحسين جودة الحياة، بل في الاعتقاد بأن تغيير شكل الشارع وحده كافٍ لصناعة مكان نابض بالحياة.

لقد قدمنا آنذاك مقترحاً للأمانة يوضح أن تحويل الشارع إلى مشاة لن ينجح ما لم تسبقه إجراءات تنظيمية واقتصادية متكاملة، أهمها رفع الكثافة العمرانية، وتوفير المواقف الكافية، وإعادة النظر في أنظمة البناء للقطع المطلة على الشارع. لكن المقترح رُفض لأنه كان يتجاوز حدود الأنظمة السائدة في ذلك الوقت.

الأهم في هذه التجربة أن مقترحناً التفصيلي أوضح بوضوح أن تحويل الشارع إلى مشاة لن ينجح ما لم يُرافقه حزمة متكاملة من الإجراءات، أهمها:

رفع الكثافة العمرانية على الشارع والمحيط
إعادة تنظيم استعمالات الأراضي
توفير مواقف كافية ومدروسة
إدخال حلول مرنة للحركة والوصول
تطوير الأنظمة بالتوازي مع القرار العمراني

واليوم، وبعد مرور عقود، تبدو أسباب الفشل أكثر وضوحاً.
أولاً: غياب الكثافة السكانية الكافية
أي شارع للمشاة يحتاج إلى كتلة بشرية دائمة تدعمه اقتصادياً. أما شارع المتنبي فقد بقي محاطاً بمبانٍ منخفضة الكثافة دور ارضي واول فقط، بينما تم قطع وصول السيارات التي كانت تجلب معظم المتسوقين.
فانخفض عدد الزوار، وتراجعت المبيعات، وفقد السوق القدرة على الاستمرار.

فالشارع الحي لا يعيش على الأرصفة الجميلة وحدها، بل يعيش على الناس الذين يسكنون ويعملون ويتسوقون فيه يومياً.

ثانياً: غياب المواقف وسهولة الوصول
تم التعامل مع المشروع بمنطق ثنائي إما سيارات بالكامل أو مشاة بالكامل.

لكن المدن الناجحة لا تعمل بهذه الطريقة فهي تبحث عن التوازن بين حركة الإنسان وحركة المركبة، وبين الراحة وإمكانية الوصول.
وعندما اختفت المواقف القريبة، أصبح الوصول إلى المحلات أكثر صعوبة، فانتقل الزبائن إلى مواقع توفر خدمة أفضل وسهولة أكبر.

ثالثاً: تجاهل الواقع التجاري للشارع
لم يكن شارع المتنبي في الأصل شارعاً تجارياً مخططاً منذ البداية كمركز أعمال رئيسي، بل نشأت فيه أنشطة بسيطة ومتدرجة عبر الزمن في اركان البيوت كملاحق، واستمد حيويته من سهولة الوصول إليه أكثر مما استمدها من خصائصه العمرانية.

وعندما أُغلقت حركة السيارات دون تطوير البيئة العمرانية المحيطة أو تعزيز الأنشطة الاقتصادية، فقد الشارع أهم مقومات استمراره.

رابعاً: البيروقراطية التي عطلت الحلول
ركزت الجهات التنفيذية آنذاك على إعادة تصميم الشارع، لكنها لم تواكب ذلك بتطوير أنظمة البناء واستعمالات الأراضي ورفع الكثافات .

وهنا ظهر الخلل الأكبر
فالمشروعات الحضرية لا تنجح بالتخطيط العمراني وحده، كما لا تنجح بالتشريعات وحدها، بل تحتاج إلى تكامل بين الشارع والمبنى والنظام الاقتصادي والتنظيمي.

وعندما يُسمح بتغيير الأرصفة ويُمنع تغيير الأنظمة، يصبح المشروع أشبه بمحاولة تغيير النتيجة دون معالجة الأسباب.

الدرس الجوهري:
الأنسنة تصطدم بالأنظمة قبل أن تصطدم بالفراغ فتجربة شارع المتنبي تقدم درساً واضحاً:
المشكلة لم تكن في التصميم، بل في الإطار الذي سمح أو منع هذا التصميم من النجاح.
فالتحول الحضري لا يفشل بسبب نقص الأفكار، بل بسبب:
أدوات قياس قديمة
معايير نشأت لزمن مختلف
أنظمة تنظيمية لا تعكس الواقع الجديد

الدرس الذي يجب ألا ننساه
إن تجربة شارع المتنبي لا تُدين الأنسنة، وإنما تُدين اختزالها. فإزالة مواقف السيارات، واستبدالها بأرصفة للمشاة دون توفير بدائل عملية أو تعويض الآثار الوظيفية لهذا القرار، مع الاكتفاء ببعض اللمسات التجميلية، لا تمثل أنسنة للشارع، بل تبسيطاً مُخلاً لمفهوم الأنسنة، وهو ما قاد إلى النتائج التي شهدها الجميع.

فالأنسنة الحقيقية تبدأ من فهم الإنسان نفسه:
أين يسكن؟
كيف يصل؟
أين يوقف سيارته؟
ما حجم الكثافة المطلوبة لدعم الأنشطة؟
وما الأنظمة التي تسمح للشارع بالحياة والاستمرار؟

لقد أثبتت تجربة شارع المتنبي أن جودة الحياة لا تُصنع بالشعارات، ولا بالتدخلات الشكلية، بل بمنظومة متكاملة تجمع بين التخطيط والتشريع والاقتصاد والإدارة.

ولذلك فإن أي مشروع لتحسين البيئة الحضرية سيواجه العقبات نفسها ما لم يصاحبه قدر كافٍ من الشجاعة لتطوير الأنظمة واللوائح بما ينسجم مع أهدافه. أما الاكتفاء بتغيير المشهد العمراني مع الإبقاء على المنظومة التنظيمية كما هي، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المشكلات ذاتها.

إن شارع المتنبي ليس قصة شارع أخفق قبل عقود، بل هو درس تاريخي يبين أن العمران الناجح لا يُفرض من أعلى، وإنما ينجح عندما يتكامل التصميم مع التشريع والاقتصاد، وينطلق من فهم الواقع واحترام احتياجات الناس.

ولم تتعثر التجربة لأن فكرتها كانت خاطئة، بل لأنها طُبقت داخل منظومة لم تُهيأ لاستيعابها.

ويبقى السؤال مطروحاً اليوم: هل نستمر في تغيير المدن بمنظومة قديمة، أم نطوّر المنظومة لتستوعب المدن التي نطمح إليها؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد نجاح مشاريع الأنسنة وجودة الحياة، أو بقاؤها تدور في الحلقة نفسها… مكانك سر.

 

تاريخ الاضافة : Fri 10 Jul 2026 عدد المشاهدات : 8 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب