سر صمود نموذج “دوكسيادس” السكني في الرياض وعجز الاستشاريين العالميين عن استبداله

فرحات الطاشكندي

 

 

​لم يكن غياب نموذج بديل للأحياء السكنية في الرياض خلال مخططي “ست إنترناشيونال” (1982) و”ميدستار” (2001) مجرد مصادفة، بل كان شهادة عملية ودليلاً قاطعاً على عبقرية وتميز المخطط الشبكي المربّع الذي وضعه “دوكسيادس”.

فرغم أن هذين الاستشاريين العالميين استُقدما خصيصاً لتطوير المخطط التوجيهي للمدينة، وسدّ فجوة الخبرة العمرانية، واستيعاب الزيادة السكانية الكبيرة، إلا أنهما عجزا عن تقديم أي بديل منافس لبنية الحي السكني التقليدي.

​هذا العجز لا يعود لقصور في قدرات الاستشاريين، بل يثبت دون شك أن نموذج دوكسيادس كان يتمتع بقدرٍ عالٍ من النجاعة التخطيطية والمرونة البنيوية التي جعلت تجاوزه أو استبداله أمراً غير ضروري وغير ممكن في آن واحد. فلو كان النموذج الأصلي يعاني من أي نقص أو خلل عمراني، لكانت هذه الشركات العالمية قد قدّمت طروحات بديلة، لكن اكتفاءها بتمديد محاور الحركة الرئيسة على امتداد المخطط الأصلي دون المساس بداخل الأحياء، يؤكد أن نموذج دوكسيادس وفّر منصة تصميمية مفتوحة ومتماسكة ومتوازنة.

​تشريح عبقرية نموذج “دوكسيادس”:
بنية الحارات الأربع والتدرج الوظيفي
​تكمن القوة الهيكلية لحي دوكسيادس المربّع في ابتكاره التخطيطي القائم على “بنية الحارات الأربع” داخل الحي السكني الواحد، وهي منظومة متكاملة توازن بين التدرج الوظيفي، والترابط الاجتماعي، وسهولة الوصول وفق الآتي:

​التوزيع العنقودي (الحارات الأربع):
يتم تقسيم الحي الكبير إلى أربع حارات مستقلة إدارياً واجتماعياً. لكل حارة مركز خدمات مصغر يضم مسجداً محلياً ومدرسة ابتدائية وخدمات يومية، بحيث تقع في محيط لا يتعدى 5 إلى 7 دقائق سيرًا على الأقدام من أي منزل، مما يعزز الهوية الاجتماعية ويقلل الاعتماد على السيارة في التنقلات اليومية القصيرة.

​المركزية المتدرجة (قلب الحي): في نقطة الالتقاء بالمنطقة المركزية (قلب المربّع الرئيسي)، يقع مركز الحي الأكبر الذي يضم الخدمات المركزية كالمسجد الجامع، المدارس المتوسطة والثانوية، والمرافق التجارية والخدمية الأوسع، والتي يمكن الوصول إليها خلال 15 دقيقة سيراً على الأقدام.

​المرونة البنيوية واستيعاب الرؤى العمرانية الحديثة
​إن الميزة الحاسمة التي جعلت الاستشاريين اللاحقين يتبنون مخطط دوكسيادس بدلاً من إلغائه، هي أنه منظومة تنظيمية مرنة وبنية مفتوحة وليس مخططاً معمارياً مغلقاً.
لم يفرض دوكسيادس شكلاً عمرانياً جامداً، بل وضع هيكلاً يستوعب أي تطوير أو معالجة بيئية حديثة دون أن يفقد الحي اتساقه البنيوي ومنطقه الداخلي.

​وقد تجلت هذه المرونة الفائقة في قدرة المخطط على احتضان وإنجاح رؤى عمرانية متقدمة ومتباينة جداً في الرياض، ومنها:

​حي السفارات: حيث استُخدمت بنية الحارات لتطبيق معالجة بيئية متطورة وشبكة مشاة فائقة الأمان فبدلا من أربع حارات تم صياغة خمس حارات وبدل اربعة مداخل للحي استبدل بمدخلين فقط .

​حي الواحة: الذي قدّم معالجة داخلية متمايزة ومبتكرة للكتلة العمرانية السكنية وقدم تصور جديد للانسنة .

حي الفلاح: الذي أعاد صياغة الحارات الأربع في نفس تخطيط المربع المنفذ عن طريق المطورين العقاريين المحليين عبر انسنة الشوارع وافساح المجال للسكان للمشي والتواصل الاجتماعي بمحاور مشاة رئيسية وممتدة.

إن غياب النموذج البديل في مخططات “ست إنترناشيونال” و”ميدستار” يُعد أكبر برهان على قوة نموذج دوكسيادس؛ فقد أثبت أنه نظام عملي وناجع يحقق متطلبات الحياة اليومية، ويستوعب النمو السكاني والتحولات العمرانية المتسارعة، دون الحاجة إلى إعادة اختراع بنية الحي من جديد.

 

 

 

تاريخ الاضافة : Thu 9 Jul 2026 عدد المشاهدات : 15 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب