ميتافيزيقا العمارة في القرن العشرين (رؤيه تنظيرية)

حسام الدين بهجت النبوي

 

تتمحور فكرة البحث حول تفسير التحولات الكبرى التي شهدتها العمارة في القرن العشرين، وهو قرن اتسم بتسارع غير مسبوق في إنتاج الأشكال المعمارية وتنوعها، حتى بدا وكأن العمارة قد خرجت من أنماطها التقليدية المستقرة إلى فضاء واسع من الصيغ والتعبيرات الجديدة. وينطلق البحث من ملاحظة أن هذا التنوع لم يكن مجرد تغير شكلي عابر، بل كان انعكاسًا لتحولات عميقة أصابت الفكر الإنساني، والبنية الاجتماعية، والرؤية الفلسفية، والقاعدة العلمية والتقنية التي شكّلت الإطار العام للعصر.

ويعرض البحث أن العمارة، عبر تاريخها الطويل، كانت غالبًا مرتبطة بمنظومات واضحة وثابتة نسبيًا، سواء في الأنماط الرسمية أو في العمارة المحلية، وكانت تستند إلى تراكمات طويلة من الخبرة والموروث والعلاقات المستقرة بين الشكل والوظيفة والمعنى. إلا أن القرن العشرين كسر هذا الامتداد التقليدي، إذ شهد انقطاعًا أو على الأقل اهتزازًا قويًا في المرجعيات السابقة، فظهرت تيارات واتجاهات متباينة، واختلفت المفردات التشكيلية، وتعددت الأساليب، وغدا التغير وعدم الثبات سمة أساسية في النتاج المعماري.

ويرى البحث أن هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل المادية المباشرة، رغم أهميتها، مثل الحروب العالمية وما خلّفته من دمار وحاجة ملحّة إلى إعادة البناء، أو الثورة الصناعية والتقنية التي قدّمت مواد جديدة كالخرسانة والحديد والزجاج، وأنتجت أنماطًا جديدة من المباني كالمصانع والمباني الإدارية ودور السينما والأسواق الكبيرة، أو التحول اللاحق إلى عصر المعلومات والإلكترونيات والوسائط المتعددة. فهذه العوامل، على الرغم من أثرها الكبير، لا تكفي وحدها لتفسير عمق التغير واتساعه.

ومن هنا يؤكد البحث أن السبب الأعمق وراء هذا التنوع والاختلاف الحاد في العمارة الحديثة يرجع إلى تحولات ميتافيزيقية وفكرية وفلسفية سبقت النتاج المعماري وصاحبته. فالمعماري لا ينتج الشكل في فراغ، بل ينطلق من تصورات عن الإنسان والعالم والمعرفة والحقيقة والقيم. ومع تفكك المرجعيات القديمة، ورفض كثير من المفاهيم التقليدية، وصعود الفلسفات الحديثة والنظريات العلمية الجديدة، تبدلت نظرة الإنسان إلى الكون وإلى نفسه، وتغيرت مفاهيمه عن المادة والزمن والحقيقة واليقين، فانفتح المجال أمام رؤى جديدة انعكست مباشرة على الفكر المعماري وعلى أشكال العمارة ووظائفها ودلالاتها.

ويشير البحث إلى أن ما جرى لم يكن مجرد تطور تقني، بل كان نتيجة صدام بين الموروثات الميتافيزيقية القديمة وبين تصورات حديثة ذات طابع علمي ومادي وتجريبي، أعادت تعريف مصادر المعرفة، وأضعفت الاعتماد على الغيب والمطلقات والثوابت المتوارثة، وأحلت محلها رؤى تستند إلى العقل والتجربة والعلم والإنسان بوصفه مركزًا للفعل والمعنى. ونتيجة لذلك، ظهرت اتجاهات معمارية متعددة، لكل منها خلفية فكرية مختلفة، تحاول التعبير عن مضمون فلسفي معين بوسائل شكلية ومادية متنوعة.

وبناءً على ذلك، يسعى البحث إلى دراسة العمارة في القرن العشرين من خلال مستويين مترابطين: الأول يختص بمظاهر التشكيل والتحول في النتاج المعماري ذاته، والثاني يتناول الأسس الفكرية والميتافيزيقية التي وقفت وراء هذا النتاج. فغاية البحث ليست وصف الأشكال المعمارية فقط، بل الكشف عن الخلفيات العميقة التي أسهمت في صياغتها، وبيان أن عمارة القرن العشرين كانت، في جانب كبير منها، مرآةً لتحول الإنسان الحديث في نظرته إلى الوجود والمعرفة والقيم، وأن فهمها الحقيقي لا يكتمل إلا بربط الشكل المعماري بجذوره الفكرية والفلسفية والاجتماعية.

 

رسالة للباحث حسام الدين النبوي تم تقديمها عام 2011 لنيل شهادة الدكتوراه من قسم الهندسة المعمارية بكلية الهندسة، جامعة عين شمس، الرسالة تحت اشراف الاسناذ الدكتور ياسر منصور، والاستاذ الدكتور عمرو الجوهري.

 

للإطلاع على الرسالة ،، إضغط هنا ..

 

 

 

 

 

تاريخ الاضافة : Fri 3 Apr 2026 عدد المشاهدات : 205 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب