د. فيصل بن الفديع الشريف
تحتفي كليات الشرق العربي بطلابها في احتفالات تخرجهم هذه الفترة من نهاية كل عام دراسي, وحفلات التخرح تأتي في ايام لا تشبه غيرها، تمر كأنها لحظة، لكنها تبقى في الذاكرة عمراً كاملاً. ويُعد يوم التخرج واحداً من أجمل محطات العمر؛ فهو ليس مجرد حفل تُلبس فيه العباءة، ولا صورة تُلتقط للذكرى، ولا شهادة تُرفع أمام عدسات الفرح، بل هو يوم تتجسد فيه سنوات من الصبر، والتعب، والسهر، والانضباط، والإصرار.
يوم التخرج هو يوم الحصاد بعد طول انتظار. هو اليوم الذي يقف فيه الطالب أمام نفسه أولاً، ثم أمام أهله ومجتمعه، وليؤكد ان الجهود لم تذهب سدى، وان الطريق الطويل لم يكن عبثاً. ففي كل شهادة تخرج قصة لا يعرف تفاصيلها إلا صاحبها؛ ليالٍ من القلق، وامتحانات، ومحاولات، وإخفاقات عابرة، ونهوض متكرر، حتى وصل إلى هذه اللحظة التي تستحق الفرح والفخر.
لا يُدرِكُ المَجدَ إِلّا سَـــــيِّدٌ فـَطِنٌ لِما يَشُقُّ عَـلى الساداتِ فَعّالُ
كَأَنَّ نَفسك لا ترضــــــــاكَ صاحِبَها إِلّا وَأَنتَ عَلى المِفضالِ مِفضالُ
لَولا المَشَقـَّةُ سادَ الناسُ كُـلُّهُمُ الجودُ يُفــقِـرُ وَالإِقــــــدامُ قـَتّالُ
التخرج هو رؤية السعي وقد صار إنجازاً، ورؤية التعب وقد تحول إلى ثمرة، ورؤية الحلم وقد أصبح حقيقة تمشي على الأرض. لكن فرحة التخرج لا تخص الطالب وحده. إنها فرحة عائلة كاملة، وبيت كامل، وقلوب كثيرة كانت حاضرة في الطريق وإن لم تجلس على مقاعد الدراسة. خلف كل خريج أمّ دعت، وأب تعب، وأسرة صبرت، وأيدٍ ساندت، وقلوب آمنت بأن هذا اليوم سيأتي. كم من أم سهرت لأجل راحة ابنها أو ابنتها، وكم من أب أخفى تعبه ليصنع لأبنائه طريقاً أسهل، وكم من أسرة تحملت وضحّت حتى ترى هذا المشهد النبيل: ابنها أو ابنتها في منصة الفخر.
ولذلك، فإن أجمل ما في يوم التخرج أنه لا يكرّم الطالب وحده، بل يكرّم معه كل من وقف إلى جواره. يكرّم الدعاء الصادق، والكلمة المشجعة، والتضحية الصامتة، واليد التي امتدت في لحظة ضعف، والكتف الذي استند عليه الخريج حين ضاق الطريق. إن الشهادة تحمل اسم الخريج، لكنها تحمل في معناها أسماء كثيرة لا تُكتب على الورق، لكنها محفورة في القلب.
أيها الخريج، مبارك لك هذا الإنجاز. افرح به، واعتز به، واشكر الله عليه، ثم اشكر من كانوا بعد الله سبباً في وصولك. واعلم أن التخرج ليس نهاية الطريق، بل بداية مسؤولية أكبر. فالعلم لا تكتمل قيمته إلا حين يتحول إلى عمل نافع، وخلق كريم، وخدمة للناس، وإضافة للوطن والمجتمع. نعم، في هذا اليوم، لا بأس أن تفرح كثيراً، وأن تبتسم طويلاً، وأن تلتقط الصور، وأن تعانق من تحب، فقد تعبت حتى تستحق هذه اللحظة. لكن اجعل من فرحتك وقوداً للمستقبل، ومن شهادتك عهداً جديداً مع نفسك، بأن تكون أفضل، وأن تواصل التعلم، وأن تجعل من نجاحك بداية نجاحات أخرى.
مقال بمناسبة اقامة حفل التخرج لأبنائنا الطلاب نُشر في صحيفة “إشراقة” التي تصدرها كليات الشرق العربي، العدد 82 الصادر غرة محرم 1448 الموافق 16 يونيو 2026.
للإطلاع على كامل العدد ،، اضغط عنا ..

اترك تعليقاً