أزمة الهوية والعمارة السلمانية: من الجدل الفكري إلى الاستجابة العملية

فرحات الطاشكندي

 

شهد النقاش الفكري في الغرب والعالم العربي حول مسألة الهوية تباينات جوهرية. فبينما عانى الغرب من أزمة فقدان الهوية نتيجة القطيعة مع الكنيسة والدين في زمن الحداثة، ترددت أصداء هذا الجدل في العالم العربي ولكن بصورة مختلفة. هذا النص يعرض أولًا أزمة الهوية بين الغرب والأمة العربية، ثم يبيّن كيف جاءت العمارة السلمانية كاستجابة عملية على مستوى العمران والمعمار لهذا النقاش.

أولًا: أزمة الهوية بين الغرب والأمة العربية – أزمة حقيقية أم وهم نخبوي؟
لقد فقد الغرب هويته مع التخلي عن الكنيسة والدين مع الحداثه فقطع الصلة بالماضي و بجذوره مما أوجد فراغًا وجوديًا دفعه للبحث عن بدائل في التراث المادي كالفنون والعمارة فكانت أزمة الهوية لديهم أزمة حقيقية لأنها ارتبطت بفقدان المرجعية الروحية.
أما الأمة العربية والإسلامية فلم تفقد جذورها الروحية إذ ظلت مرتبطة بالقرآن والسنة كمرجعية عليا ثابتة لكن بعض المثقفين تقليدًا للغرب أسقطوا هذه الأزمة على واقعنا واعتقدوا أن دخول الحداثة يعني فقدان الهوية.
وعليه، فإن أزمة الهوية في العالم العربي لم تكن وعيًا جمعيًا، بل قضية نخب فكرية متأثرة بالغرب. بينما عامة الناس ظلوا مرتبطين بلغتهم ودينهم وعاداتهم.
فالخلاصة ان الغرب عاش أزمة هوية حقيقية، أما العرب فقد عاشوا أزمة وعي بالهوية أو وهمًا نخبويًا أكثر من كونه واقعًا.

ثانيًا: العمارة السلمانية – استجابة عملية لجدل الهوية بين الأصالة والحداثة
لقد جاءت العمارة السلمانية كإجابة عملية على هذا الجدل حول فقدان الهوية. فهي لم تنكر الحداثة ولم تنغلق في قوالب الماضي، بل جمعت بين الأصالة والحداثه :
– الأصالة: استلهام القيم والهوية والارتباط بالإنسان والمكان.
– الحداثة: توظيف المواد والتقنيات الحديثة والاستجابة لمتطلبات الحياة العصريه .
وهذا ما أكده خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حين شدد على أن الهوية ليست انغلاقًا في الماضي ولا ذوبانًا في الآخر، بل تكامل بين الأصالة والحداثة .
ويُذكر أن تقديم مصطلح “العمارة السلمانية” من الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف، الأمين السابق لأمانة منطقة الرياض، يعكس وعي الملك سلمان بن عبدالعزيز عندما كان أميرًا للرياض بخصوص عمارة المنطقة، إذ سعى للحفاظ على الأصالة مع استشراف الحداثة.
وهكذا، لم تبق العمارة السلمانية في إطار النقاش الفكري، بل قدّمت نموذجًا معماريًا تطبيقيًا يثبت أن الهوية يمكن أن تبقى حيّة في زمن الحداثة، وأن الجمع بين الأصالة والحداثة ممكن وواقعي.

بهذا يظهر أن أزمة الهوية في العالم العربي لم تكن فقدانًا حقيقيًا كما في الغرب، بل كانت أزمة نخبوية. وجاءت العمارة السلمانية لتقدّم الاستجابة العملية على مستوى العمران، حيث أثبتت أن الهوية العمرانية السعودية قادرة على الجمع بين القيم الثابتة ومتطلبات العصر.
والحمد لله .

 

 

 

 

 

تاريخ الاضافة : Sat 6 Sep 2025 عدد المشاهدات : 557 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب