فرحات الطاشكندي
بمناسبة حجب جائزة فنون العمارة والتصميم للمرة الثانية؟؟
يظل الإبداع المعماري من أبرز ركائز النهضة العمرانية، غير أنّ الاعتراف به كثيرًا ما يصطدم بعوائق مهنية ونفسية تجعل المبدع في مواجهة بيئة لا تُنصفه. فبدل أن تكون المنافسة المهنية فضاءً محفزًا للتطوير، تتحول أحيانًا إلى حواجز مصطنعة، من خلال اشتراطات غير واقعية قد لا تتماشى مع المواثيب العمرانية السائده فيستبعد العمل للمعماري او العمراني، أو من خلال ضعف ثقة بعض المعماريين في أعمال زملائهم، ما يجعلهم يترددون في تبنيها أو ترشيحها للجوائز.
إن الإبداع، في جوهره، يحتاج إلى عين مبدعة تُبصر جماله، لا إلى عقل مقيد بالشكوك. وقد عبّر ابن القيم رحمه الله عن هذه الحقيقة بعبارة بليغة: «إنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك، أو كيف يفهم عنك من لم يشرق فيه ما اشرق فيك». فالموهبة لا يفهمها إلا موهوب، والإبداع لا يقدّره إلا من يحمل شرارة الإبداع في داخله. ومن لم يُوهب تلك الشرارة، قد يرى العمل المعماري المبدع إسرافًا أو تهورًا، كما يرى البخيل الكريم مبذرًا، ويرى الجبان الشجاع متهورًا. وقد لخّص الشاعر هذه المفارقة بقوله: «ينكر طَعمَ العَسَلِ مَن بفَمِه مُرّ».
ومن هنا، فإن معضلة الإبداع المعماري ليست في غياب القدرة عن الإبداع، بل في غياب الاعتراف به. فحين تُحجب الجوائز عن المبدعين بسبب تنافس غير نزيه أو ضوابط شكلية لا تمت للقيم العمرانية بصلة، يتضرر المشهد بأسره، ويُحرم المجتمع من ثمار الطاقات الخلّاقة.
إن العمارة السلمانية بما تحمله من فلسفة قيمية ورؤية معاصرة في آن واحد، تضعنا أمام درس مهم: أن الإبداع لا يُقاس بمعايير جامدة أو اشتراطات شكلية، بل بقدرته على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين القيم والابتكار. والاعتراف بالمبدعين ليس منّة، بل واجب مهني وأخلاقي، لأنه وحده الكفيل بخلق بيئة عمرانية متجددة تدعم التحول الوطني وتستجيب لرؤية 2030.
نحن نعيش طفره معماريه في ظل العمارة السلمانية وبوجود معماريين سعوديين مبدعين وشباب واعمالهم ابداعيه وقد استضفنا عدد منهم في جمعية العمران المهنيه وهذا الحجب سقطه لمحكمي الجائزه
حجب جائزه المعماريين للمرة الثانيه خلال خمس سنوات يتجاوز مجرد قرار إداري إلى دلالات عميقة تمس مكانة العمارة السلمانية ومستقبل المهنة و يمكن تلخيص التأثير في ثلاث مستويات:
1. التأثير على العمارة السلمانية
العمارة السلمانية قامت على الجمع بين الأصالة والقيم وبين الحداثة والتطوير. فإذا تكرر حجب الجائزة عن المعماريين، فسيُفهم أن هناك فجوة بين ما يُمارَس فعليًا من تصميمات وما يتوقع أن تعكسه العمارة السلمانية من قيم ورؤية.
قد يُوحي هذا بضعف تبني مبادئ العمارة السلمانيه بشكل متكامل.
أو أن لجان التحكيم لا تجد مشاريع تُجسد العمارة السلمانية كما يجب، مما يضعف رسالتها كإطار جامع.
2. الدلالة على واقع المهنة
تكرار الحجب قد يُقرأ بطرق متباينة:
دلالة سلبية: أن مستوى الأعمال المقدمة لا يرقى إلى معايير التميز والجائزة، مما يعكس ضعف الإبداع أو قلة الالتزام بالمعايير المهنية.
دلالة تنظيمية: ربما المعايير الموضوعة للجائزة غير واضحة أو غير منسجمة مع طبيعة الممارسة المهنية في المملكة، أي أن المشكلة ليست في الممارسين وحدهم بل في إطار الجائزة ذاته.
دلالة بنيوية: أن هناك حاجة إلى بناء منظومة متكاملة بين التعليم، والمكاتب المعماريه ، والجهات الحكومية، لتوليد أعمال معمارية قادرة على المنافسة.
3. انعكاس على سمعة العمارة السعودية عالميًا
العمارة السلمانية تُطرح اليوم كهوية وطنية أمام العالم، فإذا تكرر حجب الجائزة، فقد يُستغل ذلك لتصوير العمارة السعودية بأنها لم تنضج بعد أو أنها لا تملك مشاريع نوعية.
هذا يضعف القوة الناعمة التي تسعى المملكة إلى إبرازها عبر العمارة.
وقد يخلق فجوة بين الطموحات الكبيرة لرؤية 2030 وبين الانعكاس المهني على الأرض.
إن تكرار الحجب لا يدل فقط على تدني مستوى الممارسات، بل يكشف أيضًا عن خلل في:
– وضوح المعايير التحكيمية.
– مدى تجسيد العمارة السلمانية في المشاريع.
– وضرورة وجود حلقة وصل أقوى بين الجمعيات المهنية والوزارة لضمان أن الجائزة تؤدي دورها في رفع مستوى المهنة بدلًا من أن تصبح أداة لإحباطها.
تكرار حجب الجوائز المعمارية له انعكاسات واضحة في السياق العالمي، ويمكن مقارنته بما يجري في الدول المتقدمة:
1. المعنى عالميًا
فقدان الثقة: عندما تُحجب الجوائز بشكل متكرر، يظهر للعالم أن البيئة المهنية المحلية غير قادرة على إنتاج مشاريع تلبي المعايير الدولية للتميز، وهذا يضعف صورة العمارة الوطنية.
إشارة لخلل بنيوي: قد يُفهم أن هناك فجوة بين التعليم الأكاديمي والتطبيق العملي، أو بين السياسات الوطنية والمعايير المهنية العالمية.
رسالة سلبية للمجتمع الدولي: الجوائز المعمارية عادة ما تكون منصة لإبراز القوة الناعمة للدول، فإذا حُجبت مرارًا، قد يُستنتج أن البلد ما زال في طور البحث عن هوية أو يعاني من قصور في استيعاب قيم الحداثة والإبداع.
2. هل يحصل في الدول المتقدمة؟
في العادة، نادرًا ما يتم الحجب الكلي في الجوائز المعمارية الكبرى (مثل Pritzker Prize أو RIBA Awards أو AIA Awards).
إذا ارتأت لجان التحكيم أن الأعمال غير كافية للفوز بالجائزة الرئيسية، فإنها:
تمنح جوائز خاصة أو تقديرية (Honorable Mention).
أو تُعلن أن المستوى هذا العام لم يحقق الطموح لكن مع إبراز المشاريع التي اقتربت من المعايير.
الحجب المتكرر شبه غير موجود في الدول المتقدمة، لأنه يُنظر إليه كفشل للمنظومة نفسها (التعليم، الممارسة، التحكيم)، وليس مجرد ضعف من المتنافسين.
3. الدلالة للمشهد السعودي والعمارة السلمانية
إذا تكرر الحجب في المملكة، بينما العالم المتقدم يتجنب ذلك، فإن المعنى عالميًا سيكون:
أن المعايير الوطنية وضعت سقفًا لا يتناسب مع واقع المهنة، أو العكس أن المهنة لم تصل بعد إلى مستوى تلك المعايير.
أن العمارة السلمانية – التي يُفترض أن تقدم هوية سعودية رائدة – لم تُترجم بعد إلى أعمال ملموسة يمكن الاعتراف بها دوليًا.
أنه يجب مراجعة آليات الجائزة، بحيث لا تتحول إلى أداة للإحباط، بل إلى منصة تحفيز وتطوير.
الجوائز المعمارية ليست مجرد احتفال رمزي، بل وراءها أهداف عميقة تتعلق بالمهنة والمجتمع. يمكن تلخيص القصد والهدف من وضع الجوائز المعمارية في عدة محاور:
رفع مستوى المهنة
الجوائز تحفّز المعماريين على الإبداع، وتدفعهم لتقديم مشاريع ذات جودة أعلى.
تجعل المعايير المهنية أوضح، وتحدد ما يُعتبر “تميزًا” في العمارة.
تخلق منافسة إيجابية بين المكاتب والمصممين.
توجيه الذائقة العامة
ليست الجائزة للمعماري وحده، بل أيضًا للمجتمع: فهي تعرّف الناس بما هو “جمال معماري” أو “وظيفة ناجحة” في المباني.
تساعد على نشر ثقافة التقدير للعمارة بوصفها قيمة حضارية، لا مجرد إنشاءات مادية.
تعزيز الهوية الوطنية
الجوائز تعكس صورة البلد في المشهد العالمي.
في السعودية مثلًا، الجوائز يجب أن تبرز العمارة السلمانية كإطار جامع، وأن تُظهر للعالم كيف تُترجم الهوية المحلية في مبانٍ حديثة.
التحفيز على الاستدامة والابتكار
كثير من الجوائز العالمية (مثل RIBA أو Aga Khan Award) تُركز على قضايا الاستدامة، والعمارة الموجهة للإنسان، والتجديد الحضري.
الهدف ليس فقط الجمال الشكلي، بل الوظائف الاجتماعية والبيئية للمبنى.
التوثيق والتاريخ
الجائزة تعمل كأرشيف للمنجزات: المشاريع الفائزة تصبح علامات مرجعية تدرّس للأجيال.
تبني ذاكرة معمارية وطنية وعالمية، تخلّد رواد العمارة وأعمالهم.
اذا الجوائز المعمارية تُوضع لتكون محركًا للتطوير، ومنصة للاعتراف، وأداة لتوجيه المهنة والمجتمع نحو الأفضل، وليست مجرد تكريم فردي.
كلمة شخصية
لقد آلمني بعمق، كمعماري و كعضو مجلس إدارة جمعية العمران، أن تُحجب جائزة وزارة الثقافة عن المهنة في حفل الإعلان الأخير، كما آلم كل معماري غيور على مهنته أن يغيب اسمه عن منصة التكريم في مركز الملك فهد الثقافي، حيث وقف المبدعون والمبدعات من مختلف المجالات.
إن العمارة ليست مجرد بناء وجدران، بل هي فعل إبداعي يحمل روح المجتمع وهويته، ويعكس قيمه وتطلعاته. والمعماريون في وطننا قدّموا الكثير من الجهود والمشاريع التي تستحق أن تُرى وتُقدّر. إن تجاهل هذا الدور يترك جرحًا في قلوب الممارسين، ويبعث برسالة محبِطة بدل أن يكون محفزًا لهم على الإبداع والتميز.
أكتب هذه الكلمات ليس من باب الاعتراض فحسب، بل من باب الغيرة على المهنة، ومن باب الأمل أن تجد العمارة السعودية – بهويتها السلمانية الأصيلة ومعاصرتها – موقعها الطبيعي بين المبدعين الذين يرفعون راية الوطن في المحافل الثقافية.
فرحات الطاشكندي
اسعدني جدا هذا الدفاع الجاد عن العمارة السعودية، واستحقاقها لحصد الجوائز في منافسة جادة في كل الملامح والمحتوى والهوية العمرانية. خصوصا وان هذا الدفاع من أستاذ كبير وممارس امضى عمره في المشهد العمراني وهمومه. يعرف دق تفاصيله وجلها. مارس التصميم والتنفيذ والنقد والتعليم والكتابة في المجالات العمرانية.
والحقيقة ان العمارة السعودية، او تلك التي تكون في السعودية، حتى لو جاءت افكارها من بعيد، لم تغب عن منصات جوائز العمارة والعمران حول العالم. ومع ان المنافسة ليست سهلة على الاطلاق مع ما يتم في انحاء متفرقة من العالم من ابداعات، الا ان المملكة العربية السعودية تزخر بالإنجازات العمرانية الكثيرة والكبيرة التي تستحق ان تنافس بالتأكيد على المراكز المتقدمة. فلماذا تحجب اهم جائزة محلية في هذا المجال للمرة الثانية، مع استمرار منحها في الفروع العشرة الأخرى للوزارة؟.
حملت لنا الاخبار ان الوزارة منحت جوائزها هذه السنة 2025 في «الأدب» للدكتور عبد الله البريدي، و«النشر» دار تشكيل، و«الترجمة» المترجم الدكتور عبد الله الوليعي، و«الأزياء» الأميرة نورة الفيصل، و«الحرف اليدوية» الدكتور فهد الحسين، و«التراث الوطني» الباحث في مجال الآثار عبد الله السحيباني. ونال جوائز «فنون الطهي» أحمد زكي كامل، و«الفنون البصرية» الفنانة التشكيلية مها الملوح، و«المسرح والفنون الأدائية» صالح عبد الواحد، و«الموسيقى» الدكتور عبد الرب إدريس، و«الأفلام» شركة مخزن سبعة، مع حجب الجائزة المخصصة لـفنون العمارة والتصميم.
وقد يكون السبب ليس في الجائزة نفسها، ولا في شروطها ولا في تحكيمها، ولكن السبب يكمن في عزوف المبدعين في هذا الفرع عن التقدم لها بأعمالهم. ومن واقع خبرة شهدتها عندما كنت محكماً في جائزة ميد MEED للمشاريع المتميزة لثمان سنوات (من 2012 الى 2020)، ومع التوجه الإستثماري لهذه الجائزة، الا انها كانت تعاني أيضا من عزوف تقدم المشاريع المتميزة السعودية لها. فلعل المشكلة في تقدم المبدعين بأعمالهم لها. والمعروف عن الجوائز انها تعلن فتح الباب للتقدم حسب شروط محددة، وتعين لجنة تحكيم متخصصة وتضع لهم معايير التقييم، ليقوموا بالنظر في المشاريع حسب المعايير واختيار ما يستحق منها ان يُمنح الجائزة. فإما ان لا يكون هناك متقدمين، واما ان الاعمال التي قُدمت لم ترقى لمستوى الجائزة او انها لم تتفق مع المعايير المحددة للجائزة. ولأن الاخبار لم توضح سبب الحجب، فقد نجد للوزارة العذر في عدم التقدم او عدم جدية المتقدمين وعزوف المتميزون، حتى يتم إيضاح الأسباب.