المعماري علي الشعيبي وتحويل الهوية من شكلٍ تاريخي إلى منظومة عمرانية حية

من استعادة التراث إلى استنباط قوانينه

فرحات الطاشكندي

 

 

عند قراءة التجربة المعمارية للمعماري السعودي واستاذي علي المحمد الشعيبي Ali Al-Shuaibi يتضح أن أهم ما ميّزه عن كثير من رموز المدرسة التراثية العربية أنه لم يتعامل مع التراث بوصفه “مخزون أشكال”، بل بوصفه “منظومة علاقات” أنتجت عبر الزمن عمراناً متماسكاً وإنسانياً.
ولهذا لم يكن اهتمامه منصباً على إعادة إنتاج الأزقة القديمة أو الأقواس والزخارف التقليدية كصور بصرية، وإنما على فهم “القوانين العمرانية” التي صنعت تماسك المدينة العربية والإسلامية عبر التاريخ.
ومن هنا جاءت أهمية تكريمه ضمن جائز الاغا خان العالمية Aga Khan Award for Architecture في المملكة العربية السعودية
(حصل مشروع “ساحة ومسجد الكندي” في حي السفارات بالرياض على جائزة الآغا خان للعمارة في عام 1989 / 1410هـ، ليُسجل كأول مشروع سعودي ينال هذه الجائزة المرموقة).
؛ إذ لم يكن التقدير لمجرد نجاح شكلي أو محاكاة تراثية، بل لقدرة مشروعه على استنباط القيم العميقة التي صنعت التراث العمراني نفسه.


وقد عبّرت لجان التحكيم عن هذه الفكرة بوضوح عندما أشادت بقدرته على تحقيق “استمرارية التراث مع الحداثة ” ليس عبر تقليد أشكاله، بل عبر فهم العلاقات العمرانية والاجتماعية التي أنشأت ذلك التراث تاريخياً.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين “استعادة التراث” و”استنباط منطقه الداخلي”.
فالعمارة التقليدية العربية لم تكن قائمة على مبانٍ منفصلة تستعرض ذاتها كأيقونات مستقلة، بل على نسيج متضامن؛ حيث تتكامل السوق، والساحة، والجامع، والإدارة، والحركة، والظل، في منظومة حضرية واحدة.
وهذا ما تجسد بوضوح في تصميمه لساحة الكندي في حي السفارات Diplomatic Quarter Riyadh؛ إذ لم تُصمَّم الساحة كفراغ تجميلي أو استعراضي، بل كعقدة حضرية حية تستعيد منطق المدينة العربية التاريخية.
فاستمرارية السوق داخل الساحة، واحتواء الفراغ العمراني على عناصر كبرى مثل الجامع، ومبنى الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، وربط هذه المباني بمداخل مباشرة من الساحة، كلها تعكس فهماً عميقاً لكيفية تشكل المدن العربية التقليدية.
لقد أدرك المعماري والمخطط العمراني علي الشعيبي أن قوة المدينة الإسلامية لم تكن في “فخامة المباني المنفردة”، بل في ترابطها العضوي؛ حيث كان الجامع يعضد السوق، والسوق يغذي الحركة، والساحة تجمع الناس، والإدارة تبقى جزءاً من النسيج العام لا جسماً معزولاً عنه.
ولهذا فإن مشروعه لم يكن مجرد “تصميم عمراني”، بل إعادة إحياء لطريقة التفكير الحضري العربي؛ تلك الطريقة التي ترى المدينة كجسد متكامل، لا كمجموعة مبانٍ متنافرة تتنافس على لفت الانتباه.
ومن هنا تبدو تجربة المعماري والمخطط الحضري علي الشعيبي متقدمة حتى على كثير من مشاريع ما بعد الحداثة العالمية التي سقطت في هوس “المبنى الأيقوني” المنفصل عن سياقه.
فبينما اتجهت مدن كثيرة إلى صناعة مبانٍ استعراضية قائمة بذاتها، أعاد الشعيبي الاعتبار لفكرة “التضامن العمراني”، حيث تكتسب العناصر قيمتها من علاقتها بما حولها، لا من انعزالها البصري.
وفي هذا المعنى، فإن الشعيبي لم يكن معمارياً يعيد إنتاج التراث، بل كان أقرب إلى “فقيه عمران” استوعب البنية العميقة للمدينة العربية، ثم أعاد صياغتها بأدوات العصر، دون أن يفقدها روحها الإنسانية أو منطقها التكاملي.
ولهذا فإن قيمة تجربته لا تكمن فقط في جمالياتها، بل في أنها قدّمت نموذجاً عملياً لكيف يمكن للعمارة العربية أن تتحرر من ثنائية التقليد التراثي الجامد، والحداثة الاستعراضية المنفصلة عن الإنسان، لتعود إلى إنتاج مدينة متماسكة، حية، ومتصلة بثقافة المكان وروح المجتمع.

 

 

 

تاريخ الاضافة : Sat 30 May 2026 عدد المشاهدات : 107 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب