فرحات الطاشكندي
عدّ العمارة السلمانية نموذجًا بارزًا في صياغة هوية معمارية أصيلة ومعاصرة في المملكة العربية السعودية. فهي تستلهم قيم المكان والزمان، وتوازن بين الأصالة والتجديد، وبين الالتزام بالثوابت وإفساح المجال للإبداع. ومن هنا يبرز النقاش حول الإلزام والتخيير، وما يترتب على استحضار ما لا لزوم له في العمارة.
أولًا: الإلزام
الإلزام في العمارة السلمانية يتمثل في الثوابت الجوهرية التي تمنحها أصالتها وارتباطها بالبيئة والثقافة. ومن هذه الثوابت: الانتماء للمكان، احترام السياق العمراني، مراعاة الإنسان واحتياجاته، وتأكيد القيم الجمالية المستمدة من تراث المملكة. هذا الإلزام يشكّل الإطار المرجعي الذي يحافظ على الهوية ويصون أصالتها.
ثانيًا: التخيير
أما التخيير فيتيح للمعماري حرية في اختيار الوسائل والمواد والتقنيات والأشكال التي يحقق بها أهداف المشروع. لكن هذه الحرية ليست مطلقة، بل هي مشروطة بمدى انسجامها مع الثوابت، وبقدرتها على خدمة متطلبات العصر، مما يجعل العمارة السلمانية إطارًا مرنًا يجمع بين الأصالة والحداثة .
ثالثًا: التخيير وما لا لزوم له
ينبغي التمييز بين التخيير وما لا لزوم له:
– التخيير: حرية واعية للمعماري في تبني ما يعزز المشروع ويخدم الإنسان ويواكب متطلبات العصر.
– ما لا لزوم له: عناصر أو أشكال ماضية لم تعد وظيفية أو مناسبة للزمان الحاضر، واستدعاؤها لا يضيف قيمة حقيقية بل يثقل العمل المعماري ويقطع صلته بالحداثة.
إن استبعاد ما لا لزوم له هو السبيل الأصح لترسيخ هوية سلمانية متجددة، حيث تُستثمر تقنيات العصر وتُسخَّر إمكاناته لخدمة الإنسان والبيئة، مع المحافظة على الأصالة القيمية.
رابعًا: العلاقة بين الإلزام والتخيير
العمارة السلمانية تحقق توازنًا دقيقًا:
– إلزام في الجوهر (الثوابت القيمية والإنسانية).
– تخيير في الوسائل (الأدوات والمواد والتقنيات).
أما ما لا لزوم له، فيُستبعد ليبقى العمل المعماري منفتحًا على الحاضر دون أن يفقد أصالته.
هذا الطرح يتقاطع مع ما ناقشته في مقال سابق بعنوان: «إلزام ما لا لزوم له في العمارة بين التقليد والحداثة»، حيث تم التأكيد على أن استحضار ما لا لزوم له يقيّد الإبداع ويحول الهوية إلى قيد شكلي، بينما استبعاده يعزز هوية أصيلة ومعاصرة.
لذلك فإن إدراك العلاقة بين الإلزام والتخيير واستبعاد ما لا لزوم له هو ما يمنح العمارة السلمانية قوتها وتفرّدها. فهي هوية معمارية حيّة، تتجذّر في القيم وتستفيد من معطيات الزمان، فتؤسس لمستقبل عمراني أصيل ومعاصر.
اترك تعليقاً