من وحشة الأطلال إلى حدائق البهجة

حكاية امير التراث العمراني الذي انسن التراث ” في العذيبات”

(بمناسبة قبوله الرئاسة الشرفية لجمعية التراث العمراني)

فرحات الطاشكندي

 

في مسيرة الأمم لحظات مفصلية ينهض فيها روّاد يمتلكون بصيرة تتجاوز السائد؛ يرون في الجدار الطيني المتداعي ذاكرة حية، وفي الشواهد الدارسة عمقاً حضارياً يأبى الاندثار.

وتأتي موافقة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز على قبول الرئاسة الشرفية لـ «جمعية التراث العمراني» لتمثل حدثاً استثنائياً، ليس فقط لما تحمله من ثقل معنوي ودعم رفيع، بل لكونها تضع بوصلة الجمعية في مسارها الطبيعي والأصيل، على يد من حوّل التراث من حيز النسيان إلى قلب الحياة المعاشة.

​عقودٌ خلت كانت النظرة السائدة تتعامل مع العمارة التقليدية ومباني الطين والحجر بوصفها عبئاً يعيق قطار الحداثة، أو بقايا ماضٍ لا تستحق سوى الإزالة أو البكاء على أطلالها. غير أن الأمير سلطان قاد معركة الوعي الأصعب؛ إذ أدرك بحدسه المعماري والوطني أن العمران كائن حي محوره الإنسان، وأن قيمة البناء ليست في كتلته الإسمنتية الصماء، بل في صدقه الإنشائي وتصالحه مع بيئته ومناخه.

لم تكن رسالته مجرد حراسة لمتاحف مغلقة، بل كانت «أنسنة التراث»؛ بعث الحياة في الموات، وجعل تلك الفضاءات النابضة بالدفء مراكز تفاعل وعمل وكرامة انتماء.

​ولعل هذا المشروع الوطني الاستراتيجي لم يولد خلف المكاتب، بل انطلقت شرارته الحية حين نزل سموه إلى وادي حنيفة مجاوراً البنائين والأساتذة التقليديين؛ وتحديداً في «حظيقة العُذيبات».

​في العُذيبات، التي كانت شواهدها دارسة تكاد تلحق بركب الفناء، لم يكن البناء ترفاً ولا استنساخاً شكلياً لقشور الماضي، بل تجربة عملية في الصدق الإنشائي واحترام المكان.

امتزج طين الأرض بجذوع الأثل وسعف النخل، فاستعادت تلك البقعة أنفاسها، وتحولت من خرابٍ موحش إلى «حدائق ذات بهجة»؛ بهجة تنبع من توازن الفناء الداخلي، وظلال النخيل، وعذوبة الماء، وتناغم الإنسان مع محيطه الطبيعي.

​لقد غدت العُذيبات المختبر الفكري الأول والمحرك الذي انبثقت منه لاحقاً “مؤسسة التراث”، وجائزة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني، ومشاريع إحياء مراكز المدن والقرى التراثية والمساجد التاريخية في مختلف مناطق المملكة.

أثبتت تجربة العُذيبات أن الأصالة المعمارية ليست عودة إلى الوراء، بل هي جوهر الجمال وروح الاستدامة الحقيقية.

​إن قبول سموه الرئاسة الشرفية لجمعية التراث العمراني هو استئناف مبارك لتلك المسيرة الرائدة، وتأكيد على أن عمارة الوطن ستظل وفية لجذورها، صادقة في تكوينها، ومؤنسنة في غايتها؛ تماماً كما أزهرت العُذيبات بهجةً وحياة بعد طول سبات.

 

​

 

 

تاريخ الاضافة : Fri 23 Oct 2026 عدد المشاهدات : 5 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب