تكاثرت الضباء على خراش

د. فيصل بن الفديع الشريف

 

كان أجدادنا يديرون شؤونهم بقدرٍ كبير من البساطة لأن البيئة نفسها كانت أبسط؛ مصادر أقل، خيارات أقل، ومسارات عمل محدودة تُفهم بالخبرة والمشاهدة. لم تكن هناك منهجيات ولا استراتيجيات بالاسم، لكن كانت هناك مبادئ فطرية تُشبه جوهر الإدارة في وضوح المقصد، وتقسيم العمل، ومسؤولية محددة ومعروفة، ومحاسبة مباشرة. المفارقة أن كثرة الأدوات اليوم لا تعني بالضرورة كثرة الإنجاز؛ بل قد تعني ضياع الانتباه. (تكاثرت الضباء على خراش، فما يدري خراش ما يصيد) ليست بيتاً من الشعر فقط، بل وصف إداري دقيق؛ حين تتكاثر البدائل، يتحول الاختيار نفسه إلى عبء، ويتراجع العمل لصالح المقارنة والتجريب المتكرر.

الواقع المعاصر يؤكد ذلك بلغة الأرقام في دراسات كبرى للمشاريع تشير إلى أن الأداء العام للمشاريع ما يزال متوسطاً؛ ففي تقرير لمعهد إدارة المشاريع PMI بلغ متوسط معدل أداء المشاريع 73.8%، بما يعني أن جزءاً غير قليل من المشاريع لا يحقق المستوى المخطط من الأهداف أو الوقت أو التكلفة.  وفي المشاريع العملاقة تحديداً تتضخم المشكلة؛ إذ يشير تقرير لماكنزي إلى أن 9 من كل 10 مشاريع بنية تحتية عملاقة تعاني تجاوزات تكلفة بمتوسط يقارب 70% عن الميزانية الأصلية، وأن 61% تتجاوز الجدول الزمني الأصلي. المشكلة ليست في نقص “المنهجية” بقدر ما هي تضخم التعقيد وتشتت القرار بين قوالب كثيرة.

هل الحل أن نرمي كل شيء ونعمل بعفوية كاملة؟ ليس تماماً. الفكرة الأقرب لنهج الأجداد هي العودة للمبادئ لا للأسماء؛ ابدأ بهدف واحد مكتوب بوضوح، ثم اسأل ما الذي إن تحقق يثبت أننا نجحنا؟ وما القيدان الأكثر تأثيراً: الوقت أم التكلفة أم الجودة؟ بعدها حوّل المشروع إلى خطوات قليلة مفهومة، واجعل القياس بسيطاً ومباشراً، وقلّل عدد الاجتماعات والوثائق إلى الحد الذي يخدم القرار فقط، لا الذي يخدم الشكل. وعوضاً عن مطاردة منهجيات كثيرة، اختر إطاراً واحداً خفيفاً وطبّقه بانضباط، لأن الانضباط أهم من الزينة.

أما المستقبل فسيزيد فيه الضجيج لا محالة، خصوصاً مع أدوات الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها 75% من طالبي المعرفة عالمياً بحسب تقرير مايكروسوفت، وهو ما يعني تسارعاً أكبر في تدفق المعلومات والقرارات. لذلك ستصبح البساطة الواعية ميزة تنافسية؛ أن تعرف ما تتجاهله بقدر ما تعرف ما تستخدمه. البساطة ليست رفضاً للتقنية، بل هي اختيارٌ حازم لما يخدم الهدف، وتركٌ شجاع لما سواه.

 

مقال منشور في صحيفة إشراقة التي تصدرها كليات الشرق العربي، العدد 78 الصادر في غرة رمضان 1447 الموافق 18 فبراير 2026.

 

للإطلاع على كامل العدد 78 من إشراقة، إضغط هنا ..

 

 

 

 

 

 

 

 

تاريخ الاضافة : Thu 19 Feb 2026 عدد المشاهدات : 371 مشاهده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أسئلة؟ دعنا نتحدث
دعم العملاء
تحتاج مساعدة؟ دردش معنا على الواتس اب