د. فيصل بن الفديع الشريف
كثير من الناس لا تنقصهم الأفكار، ولا تعوزهم الخطط، ولا يعجزون عن رسم الأهداف في صورة جميلة ومقنعة، لكنهم يتوقفون عند العتبة الأولى؛ عتبة البدء. وهنا تتجلى حكمة العرب في قولهم ان “نصف كل أمر بدايته”؛ لأن البداية ليست مجرد خطوة أولى في الترتيب الزمني، بل هي اللحظة التي يتحول فيها الممكن إلى واقع، والمتخيل إلى فعل، والرغبة إلى التزام. وما لم تبدأ، فإن كل ما قبله يظل أمنية مؤجلة، أو مشروعاً معلقاً، أو وعداً لا يجد طريقه إلى الحياة.
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تترددا
فالرأي وحده لا يكفي، مهما كان صائباً. والتخطيط وحده لا يكفي، مهما كان متقناً. والمعرفة وحدها لا تكفي، مهما بلغت من العمق. الذي يكمل هذه العناصر جميعاً هو العزيمة؛ لأنها القوة الداخلية التي تدفع الإنسان إلى اقتحام البداية، وتحمّل مشقة الانطلاق، ومواجهة قلق الخطوة الأولى. قال تعالى (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
إن التردد هو العدو الخفي لكل إنجاز. فهو لا يظهر دائماً في صورة خوف صريح، بل قد يتخفى في هيئة مراجعة إضافية، أو انتظار للوقت المناسب، أو بحث عن كمال الشروط، أو رغبة في مزيد من الاطمئنان. والحق أن كثيراً من المشروعات لا تفشل لأنها سيئة، بل لأنها لم تبدأ أصلاً. تبقى حبيسة الملاحظات، مؤجلة إلى الغد، والغد يجر غداً آخر، حتى يصبح التأجيل عادة، وما نريده لا يرى النور.
ومن أعمق الحقائق العملية في الحياة أن البدء نفسه يحل نصف المشكلات. فالإنسان قبل البداية يرى الطريق طويلاً، والعقبات كثيرة، والصورة غامضة. لكنه ما إن يبدأ حتى تتغير طبيعة الأمور. تتكشف له التفاصيل، وتتحدد الأولويات، ويعرف ما ينبغي تعديله، ويكتسب أثناء السير خبرة لم يكن يمكن أن يحصل عليها وهو واقف. فالطريق لا يبوح بأسراره للمتفرجين، بل للماضين فيه.
ومن هنا يمكن القول: إذا بدأت، فقد وضعت نفسك على طريق النهاية؛ أما إذا لم تبدأ، فلن تصل أبداً. نعم، قد تتعثر بعد البداية، وقد تتباطأ، وقد تحتاج إلى تصحيح المسار، لكن كل ذلك يظل جزءاً من حركة حية قابلة للإصلاح. أما عدم البدء فهو سكون كامل، والسكون لا يلد إنجازاً. الذي يكتب سطراً يمكنه أن يكتب صفحة، والذي يفتح مشروعاً صغيراً يمكنه أن يطوره، والذي يبدأ بخطوة متواضعة قد يبلغ بها غاية كبيرة. أما الذي ينتظر حتى تكتمل الظروف كلها، فغالباً ما يكتشف متأخراً أن الظروف لا تكتمل إلا بالسعي.
إن في العزيمة معنى أخلاقياً أيضاً، فهي ليست مجرد حماس عابر، بل نوع من الصدق مع النفس. فمن صدق في إرادة أمرٍ ما، ظهرت آثار ذلك في فعله، لا في حديثه فقط. والعزيمة لا تعني التهور، ولا إلغاء التفكير، وإنما تعني أن يأتي بعد التفكير قرار، وبعد القرار بدء، وبعد البدء صبر ومتابعة. وهذا هو الفرق بين من يعيش أسير النيات الحسنة، ومن يصنع أثراً في نفسه وعمله وحياته.
ولعل من أجمل ما ينبغي أن نستحضره في هذا السياق أن الإنجازات الكبرى لم تبدأ كبيرة. كثير من الكتب بدأت بفكرة وورقة، وكثير من الأعمال بدأت بمحاولة مترددة، وكثير من النجاحات بدأت بخطوة لم تكن مثالية ولكنها كانت شجاعة. فالبداية لا يشترط فيها الكمال، وإنما يشترط فيها الصدق والعزم. ومن أخطاء الناس أنهم يريدون بداية كاملة، بينما الحكمة تقتضي أن يبدؤوا بداية ممكنة، ثم يحسنوا ما بعدها.
لنعتبر هذه الكلمات دعوة إلى مصالحة الإنسان مع الخطوة الأولى. ابدأ بما تستطيع، ومن حيث أنت، وبما في يدك. لا تجعل ضخامة الهدف سبباً للجمود، ولا تجعل الخوف من النقص مانعاً من الفعل. فالأمور في الغالب لا تنضج قبل البدء، بل تنضج أثناءه. والحياة لا تكافئ المترددين بقدر ما تكافئ من يملكون شجاعة الانطلاق.
لذلك كانت حكمة العرب دقيقة عندما تربط نصف كل أمر في بدايته. بل لعل البداية في بعض الأمور ليست نصف الامر فقط، بل مفتاحه كله. فمن بدأ، فقد كسر حاجز الوهم، وانتصر على التردد، ودخل في ميدان الإنجاز. ومن لم يبدأ، بقي أسيراً لفكرة النهاية دون أن يقترب منها. وبين الاثنين تقف العزيمة بوصفها الفارق الحاسم.
مقال نشر جزء منه في جريدة إشراقة التي تصدرها كليات الشرق العربي (نُشر الجزء لإعتبارات تتعلق بمساحة العمود). النشر كان في العدد 80 الذي صدر في الاول من شهر ذو القعدة 1447هـ الموافق 18 أبريل 2026م.
للإطلاع على العدد 80 من الجريدة كاملاً ،، إضغط هنا ..

اترك تعليقاً