(العربية) العمارة والاعتراف بالمعماري: من سنمّار إلى المعماري السعودي المعاصر

Sorry, this entry is only available in العربية.

Added date : Fri 17 Apr 2026 Views : 265 watch

One response to “(العربية) العمارة والاعتراف بالمعماري: من سنمّار إلى المعماري السعودي المعاصر”

  1. admin says:

    فضاء الروح وتجليات النور: البُعد الظاهراتي في عمارة جامع جامعة تبوك

    فرحات الطاشكندي

    يتجلى جامع جامعة تبوك الذي قام بتصميمه المعماري السعودي محمد هادي البرقاوي بأبهى صورة من خلال الفتحات الزجاجية الموجودة في سقفه وقبته الضخمة الخالية من الأعمدة.

    اولا: الظاهراتية هنا تعني التركيز على التجربة الإنسانية المباشرة للفراغ المعماري، وكيف يتفاعل جسد المصلي ووعيه مع الضوء، والمكان، والزمن في آن واحد.

    تفكيك هذا الإحساس والتحليل الظاهراتي لفتحات القبة وتغير الوقت طوال النهار:

    1. القبة كـ “سماء اصطناعية” والتحرر من المادة
    تصميم القبة الضخمة المكسية بالفسيفساء والزجاج بدون أي أعمدة داخلية تعيق النظر يخلق تجربة ظاهراتية من الامتداد البصري والروحي الواسع.

    عندما يغيب العمود (الذي يمثل الجاذبية وثقل المادة)، يشعر المصلي بالتحرر والخفة، وتتحول القبة من مجرد سقف خرساني معماري إلى ما يشبه “قبة السماء” الطبيعية التي تحتضن الجميع دون حواجز.

    2. الفتحات وتجسيد “الزمن اللامرئي” (The Phenomenology of Time)
    الزمن مفهوم مجرد، لكن عمارة المسجد تجعله محسوساً ومرئياً عبر الفتحات الزجاجية المتخللة للقبة.

    حركة خيوط الشمس:
    طوال النهار، لا تدخل الإضاءة ككتلة واحدة ثابتة، بل تدخل كـ “خيوط أشعة متحركة” تسقط على حوائط الرخام والجرانيت والسجاد.

    تبدل الظلال والألوان:
    مع حركة الشمس من الشرق إلى الغرب، تتبدل زوايا الظل والنور داخل قاعة الصلاة. المصلي الجالس في المسجد يستطيع “استشعار” الوقت بدقة ودون النظر إلى ساعة؛ حيث يذوب الفراغ المعماري مع الفلك الخارجي.

    3. الكواليا (Qualia) الحسية: من الشروق إلى الغروب
    كيف تبد²و في الصباح الباكر:
    تدخل أشعة الشمس بزوايا حادة ومنخفضة، مما يمنح الفراغ شعوراً بالبداية والهدوء المنعش، مع إضاءة طبيعية خفيفة تتماشى مع سكينة الفجر والضحى.

    وقت الظهر (صلاة الظهر):
    تعامد الشمس فوق فتحات القبة مباشرة يملأ قلب المسجد بكتلة ضوئية عمودية مكثفة، تعزز الإحساس بالذروة والوضوح والخشوع الفائق.

    وقت العصر:
    تبدأ الأشعة بالانكسار الطويل والميلان، فتتطاول الظلال داخل المسجد، مما يولد إحساساً ظاهراتياً باقتراب نهاية اليوم وهدوء الحركة الطبيعية.

    4. ربط الداخل بالخارج (الانفتاح الكوني)
    الظاهراتية ترفض عزل الإنسان داخل صناديق خرسانية مصمتة. الفتحات الزجاجية في قبة جامع جامعة تبوك، بالتكامل مع الواجهات الزجاجية المزدوجة، تلغي الحدود التقليدية بين “الداخل المقفل” و”الخارج المتحرك”. هذا الدمج يجعل المصلي يمر بتجربة إدراكية واعية تربطه بالكون، بالطقس، وبحركة الغيوم، وتقلبات السماء طوال النهار.

    اذا الفتحات في مسجد جامعة تبوك ليست مجرد معالجة بيئية للإضاءة، بل هي أداة فلسفية تدمج عمارة المسجد مع حركة الفلك، لتتحول الصلاة إلى تجربة حسية يتناغم فيها المكان مع الزمان.

    كذلك ​الزمن في مسجد جامعة تبوك ليس مفهوماً مجرداً، بل هو بُعد مرئي ومحسوس يتم عمارته عبر الضوء وتوظيف المناخ الصحراوي كأداة إدراكية:

    5. ​المزولة الشمسية الحية:
    بدلاً من الهروب من الشمس الصحراوية، روّضها التصميم عبر الفتحات الزجاجية في القبة والواجهات الذكية المزدوجة (Low-E). تتدفق الإضاءة كخيوط أشعة متحركة تسقط على الرخام والجرانيت والسجاد، مما يتيح للمصلي استشعار الوقت بدقة ودون الحاجة للنظر إلى ساعة.

    6. ​الربط الحسي والكوني:
    تُلغي الفتحات والواجهات الحدود التقليدية بين “الداخل المقفل” و”الخارج المتحرك”، مما يدمج المصلي في تجربة واعية تربطه بالطقس، وحركة الغيوم، وتقلبات السماء.
    ​وتتبدل الداخلية الحسية (الكواليا – Qualia) للمصلي على مدار اليوم بشكل ديناميكي:

    ​7. الصياغة المادية والسكينة الصوتية (العمارة العلاجية)
    ​تتكامل المواد الإنشائية والمعالجات البيئية في المسجد لخلق بيئة محفزة للحواس ومطهرة للذهن، وهو ما يصطلح عليه اليوم بـ العمارة العصبية (Neuroarchitecture):

    ​ا. مادية الملمس والانعكاس
    ​تكمن اهمية المواد في كسوة القبة بالفسيفساء والموزاييك، والأرضيات بالرخام المصقول. تعمل هذه الأسطح كـ مستقبِلات ومترجمات للضوء؛ فتشتت خيوط الشمس وتمنح الفراغ توهجاً ناعماً يتغير لونه تلقائياً من الذهب الدافئ صباحاً إلى الأبيض الناصع ظهراً، صانعةً لوحات بصرية متجددة باستمرار.

    ​ب. الفراغ السمعي وهندسة الصمت
    ​نجح المسجد في صياغة “كواليا السكينة” عبر الفصل الحسي الذكي؛ فبينما ترى العين حركة العالم الخارجي وتقلبات السماء عبر الزجاج، تعيش الأذن في صمت مطبق ونقاء صوتي تام، وذلك بفضل أنظمة العزل المتطورة والمعالجات الجدارية الذكية لصدى الصوت. هذا التباين يخفض مستويات التوتر ويحقق أعلى درجات الخشوع والتركيز الذهني.

    ثانيا: مقارنة جامع مسجد تبوك وجامع آيا صوفيا
    ​آيا صوفيا والوهم البصري لثقل المادة:
    في القرن السادس الميلادي، استخدم المعماريان “أنتيميوس” و”إيزيدور” نظام المثلثات الكروية (Pendentives) لنقل الأحمال إلى “أربعة أعمدة هائلة”، ثم قاما بفتح 40 نافذة عند قاعدة القبة. ظاهراتياً، أدت هذه الفتحات إلى “تذويب” القاعدة الخرسانية بفعل النور، مما جعل المؤرخين قديماً يصفون القبة بأنها “تبدو وكأنها معلقة بسلسلة ذهبية من السماء”، تتدلى فوق الأعمدة دون أن ترتكز عليها بثقل.

    ​جامع تبوك والتحرر المطلق من المادة: في جامع تبوك، لم يعد عند المعماري المبدع محمد هادي البرقاوي حاجة إلى وهم بصري يخفي الأعمدة؛ بل تم إلغاؤها مادياً ومعماريا وانشائيا.
    القبة هنا لا ترتكز على أعمدة مخفية بالنور، بل هي قبة حرة تماماً ترتكز مباشرة على الأطراف (30 عمود)، ليكون النور المتدفق من فتحاتها العلوية والجانبية معبراً عن فضاء نقي متصل بالكون بالكامل. إنها قفزة من “مخادعة ثقل المادة” (آيا صوفيا) إلى “التحرر الكامل من المادة” (جامع تبوك).

    ​ثالثا: الناحية الإنشائية:
    العمارة في خدمة الروح
    ​تكمن العبقرية الإنشائية لجامع جامعة تبوك في توظيف أنظمة متطورة جداً صُممت خصيصاً لإلغاء أي عوائق بصرية.

    ​بلاطات الكمرات المتقاطعة (Grillage Radials):
    تم تصميم السقف الشبكي المقوس عبر كمرات خرسانية متقاطعة هندسياً بزوايا مدروسة، لتوزيع الأحمال بالكامل اتجاه الأطراف الخارجية للمبنى.
    ​هندسة البحر المفتوح (Clear Span):
    يغطي هذا النظام بحراً إنشائياً صافياً يصل إلى 92 متراً بدون أي عمود وسطي، وهو إنجاز معماري فائق بمقاييس العمارة الخرسانية المعاصرة كثالث اكبر قبة خرسانية في العالم.
    هذا التوزيع الإنشائي جعل السقف يعمل ككتلة واحدة متزنة ذاتياً، مما سمح بفتح التجاويف الزجاجية في جسد القبة دون الإخلال بسلامتها الإنشائية، ليتحول الجهد الميكانيكي الصرف إلى طاقة روحية مستدامة.

    لذلك فإن مسجد جامعة تبوك ليس مجرد صرح ديني، بل هو مختبر تطبيقي حي يثبت للمعماريين في المملكة أن أدوات التكنولوجيا والهندسة المتقدمة والمواد الحديثة يجب أن تُطوع دائماً لخدمة غاية فلسفية وظاهراتية عليا: وهي لمس مشاعر الإنسان وصياغة وعيه بالمكان والزمان كأولوية قصوى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Questions? Let's Chat
Customer Support
Need Help? Chat with us on Whatsapp